على الطاولة يُصافحون… ويُستباح الدم في الميدان!

وفاء بهاني

قراءة في مفاوضات واشنطن بين مسار دبلوماسي بارد وتصعيد ميداني مفتوح…
لم تكن جلسة واشنطن مجرّد محطة تفاوضية عابرة، بل لحظة كاشفة لطبيعة الاختلال في مقاربة الدولة اللبنانية للصراع. فالمسألة لم تعُد مرتبطة بما يمكن انتزاعه على طاولة التفاوض، بقدر ما أصبحت مرتبطة بما يُفقد قبل الجلوس إليها. وبينما كانت بعض الأطراف الإقليمية تسعى إلى تثبيت معادلات تربط المسارات ببعضها لفرض توازن سياسي ما، بدا المسار اللبناني وكأنه ينفصل طوعاً عن عناصر قوته، متجهاً نحو مقاربة تفاوضية تفتقر إلى الحدّ الأدنى من أدوات الضغط، وتُعيد تعريف الصراع من كونه مواجهة مفتوحة إلى ملف لإدارة أزمة مواجهة بالدبلوماسية.
ولم يكن التوقيت بريئاً بأيّ حال؛ ففي اليوم نفسه الذي كانت فيه الوفود تجلس إلى طاولة التفاوض في واشنطن، كانت الكاميرات توثّق استهدافاً واضحاً ومعلناً للإعلاميين والصحافيين، على مرأى من العالم. هذا التوازي الفجّ بين مسارٍ دبلوماسي يُفترض أنه يسعى إلى التهدئة، وواقعٍ ميداني يُمعِن في التصعيد واستهداف الصوت الناقل والكاشف للحقيقة، لا يمكن قراءته كصدفة عابرة، بل كمؤشر صارخ على خللٍ عميق في ميزان المقاربة. إذ بدا المشهد وكأنّ الدم يُستباح في الميدان، فيما تُمنح الشرعية السياسية على الطاولة، وكأن الحقيقة نفسها تُقايض بصمتٍ دبلوماسي لا يملك حتى رفاهية الاعتراض أو الضغط من أجل تهدئة.
وإذا كان مسار التفاوض قد كشف هذا الاختلال، فإنّ شكل “التهدئة” التي رافقته يفتح الباب أمام قراءة أكثر خطورة؛ إذ لم تكن الهدنة التي امتدت لأسابيع شاملة بالمعنى الفعلي، بل بدت انتقائية في جغرافيتها وتوقيتها، وكأنها ترسم حدوداً غير معلنة بين ساحات يُراد لها أن تهدأ وأخرى يُترك لها أن تُستنزف وبالتالي وقف إطلاق النار من جانب واحد وإطلاق العنان لجيش الكيان للقيام بجرائمه ضدّ المدنيين والصحافيين وقصف وتفجير منازل الجنوبيين واستباحة 55 قرية جنوب الليطاني. فبينما طُرحت مقاربات تُركّز على العاصمة بوصفها أولوية للحماية، ظلّ الجنوب خارج هذا الإطار، في مشهد يوحي بإعادة إنتاج فصلٍ وظيفي بين الجبهات، لا يعبّر عن وحدة الأرض بقدر ما يعكس إدارة مجزأة للصراع.
هذا النمط من “التهدئة الانتقائية” لا يمكن فصله عن الخطاب الذي يمنح الغطاء للاستمرار في العمليات العسكرية تحت عنوان تضليلي “الدفاع عن النفس”، وهو عنوان يُستخدم بشكل انتقائي أيضاً؛ إذ يُشرعن لطرف، ويُسحب عملياً من طرف آخر. وبهذا المعنى، تتحوّل الهدنة من فرصة لوقف إطلاق النار إلى مساحة زمنية لإعادة ترتيب الوقائع على الأرض، بما يخدم فرض معادلات جديدة، تتجاوز فكرة التهدئة نحو تثبيت وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقاً.
في المحصلة، لم تكن مفاوضات واشنطن ساحة لإنتاج حلول بقدر ما كانت مرآة عكست خللاً بنيوياً في مقاربة الصراع، حيث يُراهن على الوسيط بدل امتلاك أوراق القوة، ويُستبدَل الضغط الميداني بإشارات حسن نية لا تجد من يلتقطها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعُد ماذا يمكن أن يجنيه لبنان من هذه المسارات، بل ماذا سيُطلب منه لاحقاً كثمنٍ لاستمرارها، في ظلّ ميزان قوى لا يُدار على الطاولة بقدر ما يُفرض خارجها. وفي ظلّ التفريط بأوراق قوة من يد المفاوض على الطاولة وتبقى ورقة المقاومة هي المعيار الحقيقي لأي مفاوضات جادة…