المقاومة تتعلق بإعادة بناء الذات.
السبت، 25 أبريل 2026 – 10:57

تحدث محمود عيسى، أحد قادة حركة الأسرى الفلسطينيين وعضو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى صحيفة تركية.

بالنسبة لرفاقنا، لم تكن المقاومة تحت الإكراه مسألة عشوائية أو سمة معزولة؛ بل كانت خياراً واعياً يتجدد يومياً وإرادة تُصقل كل يوم في مواجهة آلة تسعى إلى الاستيلاء على الجسد والروح معاً.
لا تُقاس قوة الشعوب بقدراتها اللحظية، بل بمنطق الإرادة التاريخية. لا يمكن لأحد أن يدّعي أن ميزان القوى عادل، ولكنه ليس ثابتاً أيضاً، وكل مشروع استعماري يبدو منيعاً حتى تتراكم العوامل التي تُحطّمه.
من الضروري دحض الاعتقاد السائد بأن التفوق العسكري هو ما يحدد نتيجة الصراع. هذا منطق قديم استخدمته جميع الأنظمة الاستعمارية لإقناع الشعوب المستعمرة بأن مقاومتها عبثية.
م. إندر أونديش

في الأسبوع الماضي، بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني في 17 أبريل/نيسان، وصف محمود عيسى (أبو مرسال)، ضيف البيت الفلسطيني في إسطنبول، كيف تدهورت الأوضاع في السجون الإسرائيلية، لا سيما منذ بدء الإبادة الجماعية في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وكيف لا يزال الأسرى، الذين يتعرضون للتعذيب بشكل شبه يومي، يقاومون. محمود عيسى، قائد في كتائب أبو علي مصطفى التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أُسر خلال الحرب، وهو أيضاً من رواد حركة الأسير الفلسطيني. بعد قضائه أكثر من 25 عاماً في السجن، أُطلق سراحه مؤخراً في صفقة تبادل أسرى. إلا أن إسرائيل، كما فعلت مع بعض الأسرى الفلسطينيين الآخرين الذين تعتبرهم “خطرين”، اشترطت “ترحيل” محمود عيسى من فلسطين.

عملية قمع جديدة

يصف محمود عيسى، الذي قضى شخصياً السنوات الخمس والعشرين الماضية في السجون الإسرائيلية، كيف كانت عملية الإبادة الجماعية التي بدأت بعد فيضان المسجد الأقصى مختلفة تماماً عن الفترات السابقة. فبينما لطالما استند واقع السجون الإسرائيلية إلى التعذيب، يشير إلى أنه كان يتم أخذ بعض الشكاوى بعين الاعتبار أحياناً، وأن بعض الإمكانيات كانت متاحة بشكل محدود. ويوضح محمود عيسى أنه تم تأسيس نظام وحشي تماماً بعد الإبادة الجماعية، وأن الوضع ازداد سوءاً بشكل ملحوظ بعد تعيين بن غفير وزيراً للأمن القومي. ويذكر أنه في السجون التي عُلّقت فيها جميع الحقوق، كزيارات العائلة والمحامين والهواء النقي، والتي فُرض فيها الحبس الانفرادي بشكل كامل، أصبح التعذيب ممارسة يومية. بل إنه يذكر أنه في الأيام الأولى للإبادة الجماعية، تم إعدام ثمانية سجناء رمياً بالرصاص.

الاحتجاز الإداري

إن أخطر ممارسة في هذه العملية الجديدة هي “الاعتقال الإداري”. يشرح محمود عيسى هذا الاعتقال، القائم على قانون ملفق، ببساطة شديدة: “يمكن اعتقال أي فلسطيني دون محاكمة أو توجيه أي تهمة إليه بناءً على تقرير من أي مسؤول في جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك). يكفي أن يُصنّف الفلسطيني على أنه “تهديد أمني”. مجرد كونه “مشتبهاً به”، أو حتى احتمالية أن يصبح “مشتبهاً به” في المستقبل، كافٍ تماماً”. حالياً، يوجد أكثر من 3500 معتقل في السجون الإسرائيلية في هذا الوضع، وقد احتُجز بعضهم في السجن لمدة تتراوح بين 3 و4 سنوات دون أن تُنسب إليهم أي “جريمة”.

جنازات “المحتجزين”

لا تقتصر هذه الممارسات على السجناء فحسب، بل تشمل أيضاً جثامين الفلسطينيين المتوفين. ووفقاً للتقارير، تحتجز إسرائيل جثامين أكثر من 315 أسيراً فلسطينياً، وترفض تسليمها إلى ذويهم، مستخدمةً إياها كورقة ضغط في عمليات التبادل. ويروي محمود عيسى، على سبيل المثال، أنهم تبادلوا جثة شهيد فلسطيني استشهد في سبعينيات القرن الماضي، ليكتشفوا لاحقاً أنها جثة شخص آخر.

أن تعيش يعني أن تقاوم.

سألنا محمود عيسى كيف استطاع النجاة من كل تلك السنوات من الأسر. فأجاب: “لم تكن المقاومة في الأسر أمراً عشوائياً أو سمة معزولة لرفاقنا؛ بل على العكس، كانت خياراً واعياً يتجدد يومياً، وإرادة تُصقل كل يوم، في مواجهة آلة تسعى للاستيلاء على الجسد والروح معاً. لم تكن هذه السنوات الخمس والعشرون التي قضيتها هنا مجرد فترة زمنية عادية؛ بل كانت حياة كاملة عشتها بكل تفاصيلها، بين الوحدة والقمع، بين الأمل وخيبة الأمل”.

يقول عيسى: “أول ما أبقاني صامداً هو إيماني العميق بعدالة القضية الفلسطينية. عندما يتحول النضال من موقف سياسي إلى إيمان وجودي، يتوقف الألم عن كونه معاناة مؤقتة ويصبح جزءاً من المعنى. كنت أرى ما أشهده يومياً في السجن امتداداً طبيعياً للنضال من أجل الحرية، لا شيئاً منفصلاً عنه. هذا الوعي منع إرادتي، وإرادة عشرات، بل مئات السجناء الآخرين، من الانكسار.”

بيئة منظمة

ويتابع محمود عيسى قائلاً: “ثانياً، هناك الانتماء الفكري والتنظيمي. بصفتي عضواً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لم أكن فرداً منعزلاً، بل كنت جزءاً من جماعة تتمتع بثقافة المقاومة والانضباط التنظيمي العالي داخل السجن. كنا نبني حياة حقيقية في السجن؛ كنا نتعلم ونقرأ ونتناقش وننظم أنفسنا ونخوض نضالنا الجماعي. وقد وفر لنا هذا الهيكل الجماعي درعاً نفسياً، فحطم محاولات العزلة والتشتت.”

يتابع محمود عيسى: “على الصعيد الشخصي، لم أعتبر الاهتمام بجسدي وعقلي ترفًا، بل ضرورة. حافظت على روتيني اليومي قدر الإمكان: الرياضة، والقراءة، والتعلم، والتأمل. يحاول الحراس اختزال السجين إلى مجرد رقم، وجسد منهك، وعقل مضطرب، لكن التفاصيل الصغيرة التي تهدف إلى إبقاء الجسد حيًا، والعقل متيقظًا، والروح متقدة هي الخطوات الأولى للمقاومة. كما لعب الأمل دورًا محوريًا؛ ليس أملًا ساذجًا، بل أملًا واعيًا يدرك قسوة الواقع، لكنه يرفض الاستسلام له.”

روح الزمالة

وأخيرًا، الرفقة. قال محمود عيسى: “الرفيق يصبح مرآتك وسندك؛ تشاركه خبزك وأفكارك. هذه العلاقات الإنسانية العميقة شكلت درعًا واقيًا من الانهيار؛ لأن العزلة أخطر سلاح، وكنا نكسره يوميًا بالتضامن. لم يكن النضال من أجل الحرية الجسدية فحسب، بل من أجل الوعي والكرامة أيضًا. لذلك، كنت أعتبر كل تفصيل، من سلوكي أثناء الاستجواب إلى طريقة كلامي وكيفية إدارتي لوقتي في الزنزانة، جزءًا من هذا النضال. بفضل كل هذا، لم أنجو فحسب، بل حاولت أن أبقى إنسانًا كاملًا بكامل كياني، عقليًا وجسديًا وإيمانيًا. لم تكن المقاومة حالة ثابتة؛ بل كانت عملية مواجهة مستمرة وإعادة بناء الذات يوميًا.”

سيتم إعادة هيكلة اليسار الفلسطيني.

عندما أشرنا إلى أنه من منظور خارجي، وعلى عكس سبعينيات القرن الماضي، باتت فلسطين تُربط في الغالب بالإسلام الراديكالي، ويبدو أن نفوذ اليسار قد تضاءل، أجاب محمود عيسى: “أولاً، من الخطأ اعتبار تراجع نفوذ اليسار الفلسطيني اختفاءً تاماً أو تلاشياً كاملاً أو انقطاعاً للتجربة التاريخية لسبعينيات القرن الماضي. ما حدث هو تحوّل في موازين القوى، وليس محواً أو اختفاءً للدور. في ذلك الوقت، تداخلت القضية الفلسطينية مع موجة حركات التحرر العالمية في سبعينيات القرن الماضي، وكان الخطاب اليساري جزءاً من سياق دولي واسع؛ هذا السياق منحه الزخم والانتشار.”

عملية معقدة.

يتابع محمود عيسى قائلاً: “مع ذلك، فقد تغير العالم اليوم، وتغيرت معه وسائل التأثير وأشكال التمثيل. في فلسطين، ولا سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا يزال اليسار الفلسطيني موجوداً تنظيمياً وفاعلاً، ولكنه يواجه سلسلة من التحديات المعقدة والمتشعبة. أول هذه التحديات هو تراجع البنية الاجتماعية التي تدعمه؛ وثانيها صعود قوى سياسية ذات خطابات مختلفة؛ وثالثها القيود والضغوط السياسية التي تمارسها قوات الأمن على اليسار؛ إضافة إلى ذلك، هناك جمود فيما يتعلق بتجديد الخطابات والأساليب المستخدمة. على الرغم من ذلك، يواصل اليسار الفلسطيني لعب دور نوعي يتجاوز الكم؛ لا سيما في الدفاع عن القضية الفلسطينية من منظور شامل للحرية، وربطها بالعدالة الاجتماعية، ورفض اختزالها إلى أطر ضيقة.”

فيما يتعلق بغزة، يتصاعد الصراع هناك، وينخرط اليسار، كجزء من المقاومة الأوسع، في معادلات معقدة، سواء في الأنشطة الميدانية أو في العمليات السياسية. أما في الضفة الغربية، فيواجه واقعاً أكثر تعقيداً بسبب القيود السياسية والأمنية. ومع ذلك، لا يزال له حضور في الحركة الجماهيرية، وفي النقابات العمالية، وفي الحركات الطلابية، وإن لم يكن بنفس القدر الذي كان عليه في سبعينيات القرن الماضي.

نقاط الاتفاق والاختلاف

يقول محمود عيسى، فيما يتعلق بالعلاقة مع القوى الإسلامية: “هذه العلاقة أعقد من أن تُختزل في تناقض مطلق أو انسجام تام. ثمة خلافات واضحة حول طبيعة الأهداف السياسية والاجتماعية، إلا أن هناك أيضاً أرضية مشتركة انبثقت من الصراع. تتجسد هذه الأرضية المشتركة في مفهوم “الوحدة على الأرض”، حيث تُعطى الأولوية للنضال ضد الاحتلال؛ ومع ذلك، لا يعني هذا أن الخلافات داخل جبهة المقاومة الواسعة قد زالت”.

وضع متناقض.

يتابع محمود عيسى قائلاً: “خلال أوقات الصراعات الكبرى، تتراجع الخلافات لصالح العمل المشترك، ولكن عندما يهدأ الصراع، تعود هذه الخلافات للظهور في قضايا سياسية واجتماعية أوسع. هذا ليس ضعفاً، بل هو انعكاس لتعقيد الواقع الفلسطيني وتعدد جوانبه. وهنا، لا بد من الإشارة إلى التحدي الحقيقي الذي يواجه اليسار اليوم؛ هذا التحدي لا يقتصر على استعادة وجوده فحسب، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف دوره بخطاب يجذب الجيل الجديد دون أن يفقد جذوره الفكرية. علاوة على ذلك، يتمثل التحدي الذي يواجه جميع القوى الفلسطينية في الحفاظ على أرضية مشتركة تسمح بإدارة الخلافات دون أن تتحول إلى انقسام يُضعف الجميع.

باختصار، يمكنني القول إن اليسار الفلسطيني لم يختفِ، بل يمر بمرحلة إعادة هيكلة. تقوم علاقته بالقوى الإسلامية على توازن دقيق؛ أي علاقة من المرجح أن تستمر طالما بقيت القضية الفلسطينية إطاراً موحداً فوق جميع القضايا والمواضيع الأخرى.”

إن التفوق الأخلاقي هو الذي سيحدد النتيجة.

في سياق عهد ترامب، عندما سُئل محمود عيسى عن اختلال موازين القوى، نظرًا لامتلاك إسرائيل قوة عسكرية هائلة ونزعة عدوانية، قال: “أولًا، من الضروري التأكيد على ضرورة دحض الاعتقاد السائد بأن التفوق العسكري هو ما يحدد نتيجة الصراع”. وأضاف: “هذا منطق استعماري قديم تستخدمه جميع الأنظمة الاستعمارية لإقناع الشعوب المستعمرة بأن مقاومتها عبثية. لكن التاريخ يُثبت عكس ذلك؛ فعلى المدى البعيد، لا يمكن لأي قوة عسكرية إخضاع شعب يرفض الاستسلام، وهذا الشعب اليوم هو شعبنا الفلسطيني. إسرائيل ليست مجرد قوة عسكرية عظمى، بل هي أيضًا مشروع استيطاني استعماري شامل مُدمج في البنية الإمبريالية العالمية. ولا ينبع تفوقها من قدراتها الداخلية فحسب، بل أيضًا من شبكة دعمها الدولية السياسية والعسكرية والاقتصادية. لذلك، لا يمكن أن يكون النضال ضدها عسكريًا بحتًا؛ بل هو نضال ضد نظام هيمنة أوسع نطاقًا”.

يقول محمود عيسى: “في حالة فلسطين، يُعدّ الدفاع عن النفس في المقام الأول عملاً تحريرياً شاملاً، وليس مجرد ردّ عسكري. يجب إعادة النظر في مفهوم المقاومة باعتباره عملية متعددة الأوجه؛ لأن اختزال الصراع إلى بُعد عسكري يُفيد العدو، إذ يُحوّل الحرب إلى منطقة يتمتع فيها العدو بتفوق مطلق. في الواقع، تكمن مواطن الضعف في هذا المشروع في جوانب أخرى: في شرعيته الأخلاقية، واعتماده البنيوي على قوى خارجية، وتناقضاته الداخلية. وهنا يبرز دور النضال الشعبي، وأنشطة النقابات العمالية، وحملات المقاطعة، والتضامن، وحملات التوعية العالمية.”

يبدو أنهم دائماً لا يقهرون.

يختتم محمود عيسى حديثه قائلاً: “من الأهمية بمكان أن يستعيد اليسار الفلسطيني مكانته الطبيعية كقوة ناقدة ومنظمة لا تذوب في ديناميكيات السلطة القائمة، بل تسعى لتغييرها. إن سردية أن فلسطين لم تعد قادرة على الصمود هي جزء من حرب نفسية وسياسية. إن قوة هذا الشعب، الذي قاوم الدمار والحصار والحروب لعقود، لا تُقاس بمنطق القدرة اللحظية، بل بالإرادة التاريخية. المسألة ليست في مدى قدرة هذا الشعب على الصمود، بل في كيفية تنظيم هذه المقاومة وتحويلها إلى قوة فاعلة. في الختام، لا يمكن لأحد أن يدّعي أن ديناميكيات السلطة عادلة، لكنها ليست ثابتة أيضاً، وكل مشروع استعماري يبدو منيعاً حتى تتراكم العوامل التي تُحطّمه. اليوم، ليس دور الحركة الفلسطينية انتظار هذا التشرذم، بل تسريع هذه العملية من خلال بناء قوة شعبية واعية ومنظمة قادرة على خوض نضال طويل الأمد.”

حركة السجناء

في النضال الفلسطيني، يمتد تاريخ حركة الأسرى إلى عام 1967 وما قبله، وتحتل مكانة بالغة الأهمية في هذا النضال. تضم الحركة جميع فصائل وأحزاب الكفاح الفلسطيني. وكما يقول محمود عيسى، فإن الجماعات ذات الأيديولوجيات المختلفة خارج السجون قادرة على الحفاظ على علاقة منسقة للغاية في ظل ظروف السجون. وفي ظل سعي النظام الإسرائيلي إلى “قتل روح” الأسرى، دأبت الحركة منذ زمن طويل على القيام بأعمال داخل السجون تتعلق بالتعليم والتنمية الثقافية ودعم الأسر.

*شكرًا لنيكولا وأوميت دوغرو على الترجمة