لم يعد ما يجري في مجدلزون، وقبلها الطيري، وقبلها عشرات البلدات منذ عام 2023، قابلاً للوصف بلغة “الاعتداء” أو “التصعيد”. نحن أمام سياسة قتلٍ ممنهجة تُدار بوعيٍ كامل: يُستهدف المدني، ثم يُستهدف من يسعفه، ثم يُحاصر المكان ليُترك الجرحى ينزفون حتى الموت.
هذه ليست حرباً بالمعنى التقليدي.
هذه حرب على فكرة الحياة نفسها.
في مجدلزون، لم يُقصف موقع عسكري، ولم تُستهدف جبهة قتال، بل استُهدف المعنى الإنساني بأبشع صوره: شبان الدفاع المدني، أولئك الذين خرجوا لينتشلوا الناس من تحت الركام، تحوّلوا إلى أهداف مباشرة. لم يُقتلوا صدفة، بل لأنهم اختاروا أن يقفوا في الجهة المقابلة لمشروع الموت.
ثم، وكأن الجريمة تحتاج إلى ختمها النهائي، جرى قطع الطرق، ومنع الجيش اللبناني من الوصول. أي أن العدوان لم يكتفِ بإطلاق النار، بل تولّى إدارة المشهد حتى نهايته: قتلٌ، ثم عزلٌ، ثم منعٌ للنجدة.
عقيدة القتل: حين يصبح المسعف عدواً
حين تتحول سيارة الإسعاف إلى هدف، فهذا ليس “خطأً ميدانياً”.
حين يُقتل المسعف أثناء عمله، فهذا ليس “ضرراً جانبياً”.
حين يُمنع الوصول إلى الجرحى، فهذا ليس “إجراءً أمنياً”.
هذه عقيدة كاملة:
أن يُترك الإنسان لمصيره تحت النار.
أن يُقتل من يحاول إنقاذه.
أن يُرهب كل من يفكر بالاقتراب.
إنها محاولة لإعادة تعريف الإنسانية نفسها: من قيمة يجب حمايتها، إلى خطر يجب القضاء عليه.
من آمال خليل إلى شهداء الدفاع المدني اليوم، الصورة واحدة لا تتغير:
من يحمل كاميرا يُستهدف لأنه يكشف الحقيقة.
من يحمل حقيبة إسعاف يُستهدف لأنه يهدد مشروع الإبادة.
ومن يحاول فتح الطريق يُستهدف لأنه يكسر الحصار.
ما جرى ليس حدثاً عابراً، بل جريمة مكتملة الأركان سياسياً وأخلاقياً وقانونياً.
كل عنصر فيها محسوب:
الاستهداف الأول، الضربة الثانية، قطع الطرق، ومنع الوصول.
هذا ليس سلوك جيشٍ في حالة حرب، بل سلوك كيان يرى في المجتمع المدني كله هدفاً مشروعاً. يرى في الطفل مشروع تهديد، وفي المسعف خصماً، وفي الدولة عائقاً يجب تعطيله.
إنه منطق لا يكتفي بالقتل، بل يسعى إلى إلغاء إمكانية النجاة.
أي تفاوض هذا الذي يجري بينما سيارات الإسعاف تُقصف؟
أي رهان هذا الذي يُبنى بينما الطرق تُقطع والبلدات تُحاصر؟
أي سياسة هذه التي تتحدث عن “حلول” فيما الدم يُترك لينزف بلا إسعاف؟
الحقيقة القاسية أن الرهان على التفاوض تحت النار ليس سياسة… بل مقامرة بالدم.
وأن أي سلطة لا تضع حماية شعبها في المرتبة الأولى، تتحول، شاءت أم أبت، إلى شاهدٍ على الجريمة بدل أن تكون درعاً في وجهها.
السيادة لا تُعلن في البيانات، بل تُثبت حين تُفتح الطرق بالقوة، وحين يُحمى المسعف، وحين يُمنع تحويل الأرض إلى ساحة قتلٍ معزولة.
ما جرى في مجدلزون ليس شأناً جنوبياً، ولا حادثة حدودية، بل قضية وطن كامل. لأن استهداف المسعف يعني استهداف كل بيت، وكل شارع، وكل احتمال للنجاة في هذا البلد.
الحياد هنا وهم.
والصمت تواطؤ.
والتردد كلفة إضافية تُدفع من دم الناس.
المطلوب ليس الغضب فقط، بل موقف وطني واضح:
رفض تحويل الجنوب إلى مساحة مفتوحة للقتل.
رفض استباحة المدنيين تحت أي ذريعة.
رفض أن يصبح إنقاذ الإنسان جريمة يُعاقَب عليها أصحابها بالموت.
حين يصبح إنقاذ الإنسان فعلاً سيادياً
في مجدلزون، لم يُقتل فقط شبان من الدفاع المدني، بل جرت محاولة قتل فكرة أن هذا البلد ما زال قادراً على حماية أبنائه.
لكن الحقيقة التي تتكرر، رغم الدم، أن هذه الأرض لم تتعلم الانكسار.
وأن من يهرع إلى إنقاذ الجريح، يعرف تماماً أنه قد يصبح هدفاً… ومع ذلك يذهب.
وهنا تكمن القوة التي لا تُقهر:
أن تبقى الحياة أقوى من الرعب.
وأن يبقى الوصول إلى الجريح فعلاً يتحدى الموت.
وأن يتحول المسعف، بدمه، إلى خط الدفاع الأول عن كرامة الوطن.
مجدلزون ليست مجرد مجزرة.
إنها إعلان صارخ:
إما أن يكون هذا البلد قادراً على حماية الحياة…
أو أن يتركها تُقصف، ثم تُحاصر، ثم تُترك لتنزف حتى الصمت.
وفي هذا الامتحان، لا مكان للمنطقة الرمادية.
د.نبيلة عفيف غصن
