في عالمٍ يُفترض أنه بُني على “حماية الإنسان” و”حقوق الطفل” و”سيادة القانون”، تظهر أحيانًا وقائع تهزّ الأسئلة أكثر مما تمنح الإجابات، وتفتح جراحًا أخلاقية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى جوهر معنى العدالة نفسه.
منشور المواطن ربحي الشيخ، كما نُشر على صفحته في فيسبوك، لا يقدّم مجرد شكوى شخصية، بل يضعنا أمام سردية ثقيلة: عائلة فلسطينية خرجت من غزة تحت ضغط الإبادة والحرب، حطّت في فرنسا عبر إجلاء رسمي من وزارة الخارجية، بحثًا عن أمانٍ موعود، ثم وجدت نفسها — بحسب روايتها — أمام فصلٍ قسري لأطفالها الثلاثة، وانقطاعٍ كاملٍ للتواصل معهم منذ يوليو 2024.
هنا لا يعود السؤال فقط: ماذا حدث؟ بل كيف يمكن لمنظومات “الحماية” أن تتحول — في نظر المتضرر — إلى مصدر فقدان جديد؟
من الإجلاء إلى الفقدان: مفارقة الأمان الموعود
تروي العائلة أنها وصلت إلى فرنسا بعد تجربة قاسية في غزة، حيث لا يحتاج وصف “الإبادة” إلى كثير شرح في خطاب أصحاب المعاناة المباشرة. كانوا يظنون أن الخروج من الجحيم الجغرافي يعني بداية حياة أكثر استقرارًا، لكن ما حدث لاحقًا — بحسب المنشور — قلب المعادلة بالكامل.
في 15 يوليو 2024، تم فصل ثلاثة أطفال عن عائلتهم، ووُضعوا تحت رعاية خدمات حماية الطفولة في منطقة موريستيل. ومنذ تلك اللحظة، انقطع التواصل بينهم وبين والديهم وأقاربهم، في تجربة تصفها العائلة بأنها “قطعٌ للحبل الإنساني الأول: الأسرة”.
الرواية الموازية: صداقة تتحول إلى اتهام
بحسب ما ورد في الشكوى، بدأت القصة عبر متطوعات من جمعية تُدعى «فلسطين تجمعنا»، قدّمن أنفسهن كداعمات للعائلة، وبنين علاقة صداقة مع الأطفال، وتولين اصطحابهم بشكل غير رسمي.
ثم، وبحسب الرواية، تطور الأمر في يوليو 2024 إلى اصطحاب الأطفال بحجة المشاركة في مخيم صيفي، قبل أن تنقطع أخبارهم لأسبوع كامل. أسبوعٌ واحد في حياة طفل قد يبدو زمنًا عابرًا في الحسابات الإدارية، لكنه في سياق عائلة لا تعرف أين أطفالها يتحول إلى زمنٍ ثقيل يشبه الدهر.
لاحقًا، تقول العائلة إن بلاغًا قُدّم ضد الأب يتهمه بالعنف، دون تقارير طبية أو مدرسية داعمة، وهو ما تعتبره العائلة جزءًا من مسار غير مفهوم من الإجراءات التي أدت إلى فصل الأطفال.
وفي سياق أكثر تعقيدًا، تشير الرواية إلى استخدام صور الأطفال واسمهم في حملات جمع تبرعات مرتبطة بدعم غزة، وهو ما دفع العائلة — بحسب قولها — إلى قطع أي تعاون مع المعنيات.
بين “الحماية” و”الاقتلاع”: سؤال العدالة الغائب
في قلب هذه القصة، تتداخل ثلاثة مستويات حساسة: الطفل، والعائلة، والمؤسسات.
الدولة الفرنسية، عبر منظومة حماية الطفولة، تتحرك — من حيث المبدأ — تحت قاعدة أساسية: حماية الطفل عند وجود شبهة خطر. لكن في المقابل، تتحول هذه المنظومة نفسها، في بعض الحالات المثيرة للجدل، إلى مساحة صدام مع مفهوم آخر لا يقل قداسة: حق الطفل في عائلته وهويته الثقافية واللغوية.
العائلة هنا لا تتحدث فقط عن انفصال جسدي، بل عن انفصال شامل: عن الأب، عن الأم الموجودة في غزة، عن الأجداد، عن اللغة، وعن السياق الثقافي الذي يُعرّف هوية الأطفال.
وحين يمتد هذا الانفصال إلى ما يقارب عامين — كما ورد في المنشور — يصبح السؤال أكثر قسوة: هل يمكن لأي إجراء “حماية” أن يبرر قطيعة بهذا الحجم دون أن يتحول هو نفسه إلى موضع مساءلة؟
البعد الغائب: غزة كظلٍّ حاضر في كل تفصيل
لا يمكن قراءة هذه القصة خارج سياقها الأول: غزة.
الأطفال الذين خرجوا من منطقة حرب، حيث الحياة اليومية نفسها مشحونة بالخطر، يجدون أنفسهم في أوروبا داخل منظومة قانونية مختلفة جذريًا، حيث تتحول كل إشارة خطر — حقيقية أو متصورة — إلى ملف حماية.
لكن المفارقة أن الخروج من جغرافيا العنف لا يعني تلقائيًا الخروج من آثارها النفسية والاجتماعية، بل قد يخلق طبقة جديدة من الهشاشة: عائلات ممزقة بين قارات، وإجراءات قانونية معقدة، ومؤسسات تتعامل مع “الحالة” أكثر مما تتعامل مع “الإنسان”.
نداء الأمومة المعلّق بين القنصلية والغياب
تشير العائلة إلى أن والدة الأطفال لا تزال في غزة، وأن هناك إجراءات عبر القنصلية الفرنسية في القدس لإجلائها. لكن الأطفال — بحسب المنشور — يعيشون في حالة فصل كامل عن والدتهم منذ ما يقارب عامين.
في هذا المشهد، لا يعود الأمر مجرد ملف إداري، بل يصبح صورة مكثفة لمعنى الانقطاع الإنساني: أمّ في منطقة حرب، أطفال في دولة أوروبية، وأب محاصر بين الإجراءات والانتظار، وسلطة مؤسساتية تمسك بخيوط القرار.
سؤال مفتوح لا يملك ترف التأجيل
بعيدًا عن التفاصيل المتنازع عليها، وعن الروايات المتقابلة، وعن منطق الاتهام والدفاع، يبقى سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح:
كيف يمكن للمجتمعات الحديثة أن توازن بين حماية الطفل ومنع أي خطر محتمل، وبين عدم تحويل هذه الحماية إلى شكل جديد من الفقدان القسري للعائلة؟
وهل يمكن أن يتحول “المنطق الحمائي” عندما يُطبق دون حساسية ثقافية وإنسانية كافية إلى أداة تعيد إنتاج الصدمة بدل إنهائها؟
خاتمة: حين تصبح العدالة اختبارًا للضمير لا للإجراءات
هذه القضية، كما تُروى من طرف واحد، ليست مجرد ملف اجتماعي أو قانوني، بل مرآة لأسئلة أكبر من حدودها: عن معنى الأسرة، عن سلطة المؤسسات، وعن هشاشة الإنسان حين يُنتزع من سياقه مرتين — مرة من الحرب، ومرة من النظام الذي وُعد بأنه ملاذ.
وفي النهاية، يبقى جوهر المسألة معلقًا في منطقة لا تحسمها البيانات الرسمية وحدها، بل يثقلها سؤال أخلاقي بسيط وعميق في آن واحد: هل يمكن لحماية الطفل أن تكون كاملة، إذا كانت في طريقها تقطع الطفل عن جذوره بالكامل؟
د.نبيلة عفيف غصن
