حين تبيع الطوائف دمها: عُري السلطة وصعود وحوش البراغماتية في سوريا الشام ولبنان
د.نبيلة عفيف غصن

مقدمة: سقوط الأقنعة… وولادة الحقيقة العارية
ليست هذه مرحلة عادية في تاريخ سورية الطبيعية، ولا ما يجري في سوريا الشام ولبنان مجرد ارتباك سياسي عابر. نحن أمام لحظة انكشاف كبرى، لحظة تتكسر فيها كل الأكاذيب التي بُنيت عليها عقود من الوعي الزائف. الطوائف التي قيل لنا إنها قدر، والشعارات التي رُفعت باسم الدين، والتحالفات التي صُوّرت كحروب وجود… كلها تتهاوى دفعة واحدة أمام حقيقة واحدة لا تقبل التجميل:
السياسة في هذا الشرق لا تُدار بالعقيدة… بل تُدار بمنطق البقاء.
هذا التحليل يضرب في العمق، في قلب الوهم، حيث يتجاوز القشور الطائفية ليغوص في “براغماتية البقاء” و”وحدة المصالح السيادية”. هنا، لا تعود “المارونية السياسية” ولا “الجولانية” ظاهرتين متناقضتين، بل تتحولان إلى وجهين مختلفين لمنظومة واحدة: منظومة تتقن استخدام الدين، لكنها لا تؤمن إلا بالقوة.

أولاً: الطوائف كأقنعة… والسلطة كجوهر
المارونية السياسية و”الجولانية” (باعتبارها السلطة الحاكمة في سوريا الشام) تلتقيان في نقطة لا يجرؤ الخطاب السائد على الاعتراف بها:
كلاهما مشروع سلطة يبحث عن شرعية، لا مشروع إيمان يبحث عن حقيقة.
المارونية السياسية لم تكن يوماً مجرد تعبير ديني، بل كانت مشروعاً سياسياً كاملاً، قام على فكرة “الملجأ” و”الخصوصية” لتبرير التحالف مع الخارج. لقد صنعت سردية الخطر لتضمن الحماية، وصنعت الحماية لتبرر استمرارها[1].
أما “الجولانية”، فهي ليست إلا النسخة المعاصرة من نفس المعادلة. انتقالها من خطاب عقائدي صلب إلى خطاب سياسي مرن ليس تراجعاً… بل تطور وظيفي. إنها عملية إعادة تموضع تهدف إلى هدف واحد:
أن تُقبل كسلطة، لا أن تُحاكم كفكرة.
هنا، يسقط القناع:
لا “الصليب” يحكم… ولا “الراية” تحكم…
بل السلطة وحدها هي التي تحكم.

ثانياً: السيد الواحد… شبكة القوة التي لا تُرى
حين يُقال إن “سيداً واحداً يحركهما”، فالمقصود ليس مؤامرة ساذجة، بل بنية كاملة من المصالح الدولية التي تحدد من يعيش ومن يسقط.
في هذا الشرق، لا أحد يحكم لأنه الأقوى… بل لأنه الأكثر فائدة لمن هو أقوى.
المارونية السياسية فهمت هذه القاعدة مبكراً، فربطت مصيرها بالمحور الغربي.
و”الجولانية” تفهمها اليوم، وهي تعيد صياغة نفسها لتكون شريكاً أمنياً محتملاً، لا عبئاً يجب التخلص منه.
هنا لا مكان للأخلاق.
هنا لا قيمة للتاريخ.
هنا فقط سؤال واحد يُطرح في الغرف المغلقة:
هل أنت مفيد؟
إذا كان الجواب نعم، تُفتح لك الأبواب.
وإذا كان لا… تُفتح عليك الجبهات.

ثالثاً: حين تُذبح الطوائف… وتنجو الأنظمة
أخطر ما يكشفه هذا التحليل ليس طبيعة التحالفات، بل طبيعة التضحية.
الطوائف لا تُحمى… بل تُستخدم.
كم مرة في تاريخ سورية الطبيعية دُفعت جماعات كاملة إلى المحرقة، بينما كانت القيادات تفاوض في الخلف؟
كم مرة تحولت “الدماء” إلى ورقة ضغط؟
كم مرة صُوّر الخطر كوجودي… فقط ليُستخدم كأداة تعبئة؟
الحقيقة القاسية هي أن الأنظمة الطائفية لا تعيش رغم الخوف… بل تعيش بفضله.
الخوف هو الوقود.
والجماهير هي الحطب.
أما السلطة… فهي النار التي لا تنطفئ.

رابعاً: التاريخ لا يكذب… نحن من نرفض قراءته
من يظن أن ما يحدث اليوم استثنائي، لم يقرأ تاريخ هذه المنطقة جيداً.
حين تلاقت مصالح قوى مارونية مع الحركة الصهيونية، لم يكن ذلك حباً… بل حساباً[2].
حين تحالف كميل شمعون مع حلف بغداد، لم يكن ذلك إيماناً… بل تموضعاً[3].
حين دخل جيش سوريا الشام إلى لبنان عام 1976 بطلب من خصومه الأيديولوجيين، لم يكن ذلك تناقضاً… بل منطقاً سياسياً خالصاً[4].
التاريخ واضح لمن يريد أن يرى:
لا توجد تحالفات مقدسة… بل توجد مصالح دائمة.
وما تفعله “الجولانية” اليوم، وهي ترسخ سلطتها على سوريا الشام، ليس انحرافاً عن القاعدة… بل تطبيقٌ متأخر لها. إنها تدخل اللعبة من بابها الحقيقي:
باب الاعتراف… لا باب العقيدة.

خامساً: تفكيك الوهم… بداية النهضة
المعركة اليوم ليست عسكرية فقط… إنها معركة وعي.
التمييز بين:
الدين كقيمة روحية
والطائفية كأداة سلطة
لم يعد خياراً… بل ضرورة وجودية.
لأن الشعوب التي ترى نفسها كطوائف، ستُحكم كقطعان.
والشعوب التي تفهم نفسها ككيانات سياسية، تبدأ أولى خطوات التحرر.
الطائفية ليست قدراً… بل صناعة.
صناعة تُنتج الخوف، وتُعيد تدويره، وتبيعه للجماهير على أنه هوية.
وتطهير الوعي هنا لا يعني إنكار الدين، بل تحريره من الاستخدام السياسي، وإعادته إلى مكانه الطبيعي:
قيمة أخلاقية… لا أداة حكم.

سادساً: السياسة كدين أعلى… بلا ضمير
ما يجمع “المارونية السياسية” و”الجولانية” ليس التاريخ ولا العقيدة، بل شيء أخطر:
الإيمان المطلق بالسلطة.
كيان يبحث عن البقاء مهما كان الثمن
ارتهان للخارج مقابل الاستمرار
استخدام الداخل كأداة تفاوض
هذه ليست سياسة عادية… هذه عقيدة سلطة.
عقيدة لا تعترف إلا بالقوة
ولا تحترم إلا من يفرض نفسه
ولا تتردد في التضحية بكل شيء… لتبقى

الخاتمة: لحظة الاختيار… إما وعي أو سقوط
نحن اليوم أمام مفترق حاسم في تاريخ سورية الطبيعية.
إما أن نستمر في تفسير العالم بمنطق الطوائف، فنُعاد إنتاج المأساة جيلاً بعد جيل…
أو نكسر هذه الدائرة، ونبني وعياً جديداً يرى الحقيقة كما هي:
الصراع ليس بين مسلم ومسيحي…
ولا بين سنّي وشيعي…
بل بين من يملك القرار… ومن يُستخدم كأداة.
في سوريا الشام، كما في لبنان، كما في كل هذا الفضاء الممزق، لم تعد المشكلة في “الآخر”…
بل في طريقة فهمنا للصراع نفسه.
وهنا تبدأ النهضة الحقيقية:
حين نرفض أن نكون وقوداً
حين نكف عن تصديق الروايات الجاهزة
حين نفهم أن من يصرخ باسم الطائفة… قد يبيعها في أول صفقة
السياسة لا تعرف الصلاة…
لكن الشعوب الواعية تستطيع أن تفرض على السياسة أخلاقاً.
السؤال الآن ليس: من يحكم؟
بل: هل سنبقى نحكم بعقول الآخرين… أم نبدأ أخيراً بالتفكير؟

الهوامش والمراجع
[1] كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث
[2] Avi Shlaim, Collusion Across the Jordan
[3] Fawaz Gerges, Making the Arab World
[4] Patrick Seale، Asad of Syria