الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.. النتائج والأهداف
قراءة (جيواستراتيجية) فيما تحقق وما لم يتحقق
د. فاضل الشرقي
عضو المكتب السياسي لأنصار الله
تعريف: مقالة تحليلية مطولة تستعرض تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران خلال أربعين يوماً (من 28 فبراير إلى 8 أبريل 2026م)، وترصد أبرز ما تحقق وما لم يتحقق لكل طرف، مع مقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج الميدانية، وتحليل التحولات في موازين القوى الإقليمية.
- تمهيد
شهدت هذه الجولة الثالثة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومحور الجهاد والمقاومة —كما يحب الإيرانيون تسميتها— هجمات وضربات متبادلة أشد ضراوة من سابقاتها، خلفت خسائر جسيمة على كل الأطراف، وألحقت أضراراً فادحة بالاقتصاد العالمي، لا سيما سلاسل التصدير وإمدادات الطاقة والوقود والأمن الغذائي. وهو ما أثار الكثير من التساؤلات عن أهدافها ونتائجها وفقاً للأهداف المعلنة وضوابط الأداء وفرضيات الميدان.
وتتمحور المشكلة وفرضياتها —حالاً— فيما حققته واشنطن —ومعها إسرائيل— وما لم تحققه؟، وما حققته طهران وما لم تحققه؟.
ولفهم صحيح للمشكلة وتساؤلاتها نحتاج أولاً إلى التدقيق في ماهية الأهداف الإستراتيجية التي أعلنها طرفا الحرب والعدوان! فمنذ اليوم الأول نجد أن (ترامب – نتنياهو) حددا ثلاثة أهداف معلنة للحرب: الأول: إسقاط النظام الإسلامي في إيران، والثاني: تدمير البرنامج النووي والقدرات الصاروخية أو تفكيكها وتقليص مدياتها، والثالث: تفكيك ما أسموه (المحور الإيراني) والقضاء عليه، أي محور الجهاد والمقاومة. وَوُضعت هذه الأهداف في أول بنود قائمة الأجندات الأمريكية الصهيونية، وعلى رأس جدول الأعمال والأولويات الأمنية والعسكرية، وفي خطة تنفيذية مشتركة شنت واشنطن والكيان الصهيوني أعنف الهجمات الجوية والصاروخية المباغتة على إيران لأربعين يوماً وليلة، وبما يقارب أربعين ألف قنبلة وقذيفة صاروخية وفق تصريحات أمريكية إسرائيلية متزامنة.
وبالنظر في ما سبق نجد أن نوايا وأهداف العدوان الأمريكي الصهيوني على طهران حاضرة بقوة أكثر من أي وقت مضى، فمنذ استشهاد السيد (نصرالله) وخلال فترة الحرب الإسرائيلية على غزة وما بعدها ارتفعت الأصوات الصهيونية تجاه طهران، المتوعدة بتغيير النظام وتدمير البنية العسكرية والبرنامج النووي، وصرّح نتنياهو بما معناه: “قضينا على حزب الله والمحور الإيراني وغيرنا وجه الشرق الأوسط، والآن سنتجه —مع أمريكا— لضرب رأس الأفعى في طهران”، وكرر مراراً التأكيد على الاتفاق مع ترامب لضرب إيران وتغيير النظام قبل انتهاء فترة رئاسته الأخيرة. وفي هذا السياق، توجه الأمريكان والصهاينة بشكل سريع وحاسم لترجمة هذه الأهداف وتنفيذها على أرض الواقع.
فمنذ ما بعد الإنتخابات الأمريكية وعودة ترامب إلى البيت الأبيض رئيسا زادت حدة الضغوط والتهديدات الأمريكية الصهيونية المشتركة تجاه طهران، وأسفرت الجهود الدبلوماسية عن ضرورة الاجتماع على طاولة حوار وتفاوض قدر لها أن تكون في مسقط لبحث قضايا الخلاف الشائكة وصيغ الحلول المقترحة. وبعد عدد من الجولات غير المباشرة، غدرت واشنطن بالدبلوماسية —كما قال عراقتشي— واستهدفت —ومعها إسرائيل— إيران بعدوان غشوم وظالم في يونيو 2025م، فيما بات يعرف بحرب الـ 12 يوماً.
تلا ذلك فترة هدوء نسبي لأشهر معدودة تخللها تهديدات متكررة، وتحت الضغط الإقليمي والدولي —كما قيل— تم استئناف الحوار مجدداً على نفس الطاولة. وبعد جولتين متتابعتين سادها الكثير من تصريحات التفاؤل، كرر الطرف الأمريكي الصهيوني عدوانه الإجرامي الأوسع والأخطر بتاريخ 28 فبراير 2026، الموافق السبت 10 رمضان 1447هـ، اليوم الذي يصادف —لدى اليهود— ذكرى هلاك هامان وفرعون ونجاة بني إسرائيل، حسب رواية نتنياهو. وتم توجيه ضربات مباغتة استهدفت قائد الثورة الإيرانية ومرشدها الأعلى السيد الخامنئي وعدداً من كبار القادة العسكريين في الجيش والحرس الثوري، واستهداف المنشآت النووية السلمية والبنية التحتية والمصالح المدنية، ومواقع أخرى قيل بأنها عسكرية.
ومن يوم لآخر، والهجمات تتوسع وتتطور، وصولاً إلى استهداف المؤسسات والقدرات والمكتسبات المدنية في إيران، بما فيها المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والوحدات السكنية، والجسور والطرقات، والمصانع والمعامل، والمطارات، والموانئ، ومنشآت الكهرباء والطاقة والمياه.
وتوجه ترامب ونتنياهو بخطابات مباشرة ونداءات متكررة ومناشدات عاجلة للشعب الإيراني تدعوه لاستغلال ظروف الحرب والتحرك لإسقاط النظام دون أي تأخير. كما جرى تسليح الجماعات المعارضة والانفصالية في الداخل والخارج ودفعها للتحرك العسكري لاجتياح طهران وتغيير النظام.
كان الأخطر في هذه الحرب —أنها انطلقت من القواعد الأمريكية في دول الخليج العربي والجوار الإيراني، بعد تخطيط وتنسيق مسبق معها وشراكة مباشرة في القتال حسب تصريحات ترامب واعترافاته المتكررة، وبعد أن تلقى منها أكثر من خمسة تريلون دولار. فيما يقال —إعلامياً— أنها تكفلت بتحمل كلفة العدوان المالية، وأسند لها مهام سياسية وإعلامية لممارسة الضغط الإقليمي والدولي على طهران، وتحييد أي دور إيجابي محتمل لبعض الدول المهمة في المنطقة والإقليم وغيرها.
الجدير بالذكر —وكما لا يخفى— أن العدوان على إيران لم يكن بالأمر السهل، فقد وُجه بردٍّ استراتيجي قوي وواسع لعله لم يكن متوقعاً. وهو ما يبدو معه —وجيهاً— البحث في أهداف الحرب ومآلاتها ونتائجها، وما تحقق منها وما لم يتحقق حتى اليوم.
والآن —وبعد أربعين يوماً من العدوان والتصدي، ومع الوقف المؤقت لإطلاق النار— بات بإمكاننا رصد أبرز ما تحقق وما لم يتحقق على صعيد كل طرف، وحصره فيما يلي:
المحور الأول: أبرز ما حققه الأمريكي والإسرائيلي
- الهدف الأول: إسقاط النظام أو تغييره
في سبيل تحقيق هذا الهدف نفذت أمريكا وإسرائيل هجمات مباغتة استهدفت رأس النظام، قائد الثورة والقائد الأعلى للقوات المسلحة السيد الخامنئي، وأبرز القيادات العسكرية والأمنية، مما أدى لاستشهادهم. وتكثيف الهجوم على أهم المراكز والقواعد العسكرية والأمنية. ومحاولة إثارة الشعب الإيراني للتحرك والثورة لإسقاط النظام من الداخل. والدفع بالجماعات الكردية المسلحة للزحف البري والإشتباك المسلح، مع وعود بتقديم كافة الدعم اللوجستي واستمرار الإسناد الحربي الجوي والصاروخي.
إلا أن كل هذه الخطوات والجهود لم تسفر عن أي نتائج مرضية —ولو جزئياً— نحو تحقيق هذا الهدف وإنجازه.
- الهدف الثاني: تدمير البرنامج النووي والقدرات الصاروخية
تم تكثيف الهجمات الجوية ضد المنشآت النووية السلمية واستهداف القدرات العسكرية المتعلقة بالبرنامج الصاروخي، كما قيل في حينه. لكن عملياً، لم تدمر القدرات الصاروخية ولم تضعف، واستمرت بزخمها لآخر دقيقة من دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ. كما أنه لا يوجد ما يشير لتدمير المنشآت النووية بما يحقق الهدف المعلن، وهو ما يتضح في شروط أمريكا ومطالبها التفاوضية الجديدة المتعلقة بتصفير التخصيب وتسليم النسبة المئوية المخصبة. هذا وإن كانت قد تعرضت لأضرار قد تبدو بعضها بليغة، إلا أنها غير مقدرة ولا موصوفة حتى الآن.
- الهدف الثالث: تفكيك محور الجهاد والمقاومة
أدت الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران إلى دخول جبهات الجهاد والمقاومة في العراق ولبنان واليمن ميدان الحرب والإشتباك المباشر بكل قوة وعنفوان، وتطور مستوى التنسيق العسكري والأمني بينها إلى تنفيذ العمليات المشتركة وما عبر عنه بـ (وحدة الساحات) خلافاً لما كان عليه الأمر قبل الحرب والعدوان على طهران، وبالتالي لم تحقق أمريكا وإسرائيل شيئا يذكر في هذا الهدف المعلن.
- حصيلة ما تحقق للأمريكي والإسرائيلي
بهذا نستطيع القول بأن أبرز ما تحقق —للآن— ينحصر في: اغتيال المرشد الإيراني الأعلى السيد علي الخامنئي، وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين والسياسيين، وضرب عدد من المنشآت النووية والعسكرية والخدمية، واستهداف واسع للبنية التحتية المدنية والخدمية والوحدات السكنية، وقتل وجرح الآلاف من المواطنين. وهو ما يعد —في معظمه— جرائم حرب موصوفة.
- البحث عن خيارات بديلة
بعد الاتفاق على الوقف المؤقت لإطلاق النار والاستئناف الفعلي للحوار والتفاوض بوساطة ورعاية باكستانية، فرضت أمريكا حصاراً بحرياً شاملاً على مضيق هرمز وكافة الموانئ والسفن الإيرانية من خلف المضيق وخليج عمان والبحر العربي والمحيط الهندي، حيث يتمركز أسطولها البحري الذي تعزز تواجده وانتشاره يوماً بعد آخر. وهذا يدلل على فشل الخيار العسكري في تحقيق الأهداف المعلنة ومحاولة اللعب على خيارات ضغط أخرى تستخدم على طاولة التفاوض لانتزاع ما لم يمكن انتزاعه بالقوة، كما أن ذلك يعد خرقاً فاضحاً لاتفاق التهدئة المؤقتة، وانقلاباً خطيراً على المسار السياسي التفاوضي الباكستاني، الذي سبق وأن ضغطت واشنطن —بكل ثقلها— على ضرورة استئنافه والذهاب إليه.
- خلاصة المحور الأول
لم تتحقق لأمريكا والكيان الصهيوني الأهداف الثلاثة المعلنة، أو تعذر تحقيقها حتى الآن، رغم كل الجهود التي بذلت ولا تزال. وذلك بسبب التوحد والثبات والصمود الإيراني الشامل، وقوة الرد والتصدي، ووحدة الساحات، ورفض الخضوع للإملاءات، أو القبول بالاستسلام ومقدماته. بل انحرفت الحرب وأهدافها إلى مجالات أخرى وأزمات جديدة نتجت عنها، وفي مقدمتها أزمة مضيق هرمز التي لم تكن موجودة قبل الحرب والعدوان على طهران.
- الهدف الإستراتيجي غير المعلن
يجدر التنبيه إلى أن الأهداف الثلاثة المعلنة لا تمثل الأهداف الإستراتيجية والنهائية للحرب، وإنما هي بمثابة أهداف فرعية تمهيدية للوصول إلى تحقيق الهدف الإستراتيجي والنهائي المتعلق بالأمن المستدام لكيان الاحتلال الإسرائيلي، والمتمثل في التغيير الإستراتيجي للمنطقة وإقامة دولة إسرائيل الكبرى. وإن كان غير مدرج على قائمة الأهداف المعلنة، إلا أنه صريح وواضح في أكثر من مكان ومناسبة. وهو ما اعتبرت إيران والمحور عائقاً جدياً أمام تحققه وتنفيذه. ولذا يجري العمل على تنفيذ الخطوات اللازمة للوصول إليه بشراكة أمريكية متكاملة.
- التأزم في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية
تسببت العلاقة المنفلتة بين ترامب ونتنياهو وجناحي الصهيونية إلى تأزم وتصدع غير مسبوق في العلاقة بين أمريكا وإسرائيل، التي تتهم بجر واشنطن إلى حرب ليست حربها. وبات الكثير من السياسيين الأمريكيين والرأي العام الأمريكي على قناعة بأن الإدارة الأمريكية الحالية تعمل تحت شعار (إسرائيل أولاً) بدلاً من (أمريكا أولاً) —الشعار الذي رفعه ترامب عنوانا لحملته الانتخابية وإدارته الجديدة المتهمة بالتماهي مع نتنياهو أولاً.
لقد دفع هذا الأمر بعدد غير قليل من أعضاء الكونغرس والسياسيين الأمريكيين إلى معارضة سياسة البيت الأبيض الترامبية التي تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، والتصويت ضد قرارات الدعم والتسليح لإسرائيل. ما عُد تحولاً غير مسبوق في العلاقة التاريخية بين حزبي واشنطن وكيان الاحتلال الإسرائيلي.
ثانياً: أبرز ما حققته طهران
- القيادة الجديدة
أدى اغتيال المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي إلى صعود مرشد جديد وشاب هو السيد مجتبى خامنئي، مع ما في روحية الشباب من الحيوية والطاقة والقوة والعزيمة التي لا يستهان بها. وقد سبق —منذ حوالي عقدين— للغرب وأمريكا والصهاينة أن أثاروا مسألة توريث خامنئي القيادة لنجله مجتبى بالذات. وفي الأخير، عملوا بأنفسهم —دون قصد— لتحقق هذا الأمر بكل سذاجة وغباء.
فالمرشد الراحل لم يسع ولم يرغب بتولي أحد من أبنائه لهذا المنصب ولا غيره، ولا سمح بذلك فيما أُثر عنه. وهو ما كان عليه واقع الحال مع الإمام الخميني المؤسس. وحتى لو افترضنا أنه كان يجري العمل على ذلك، فإن احتمال تحققه ما كان ليتم بهذا الشكل والسهولة والقابلية والتأييد. بل إن احتمالات التصدع والخلاف كانت واردة بنسب عالية فيما لو توفي وفاة طبيعية.
وهذا ما لم يكن بالإمكان تحققه والوصول إليه لولا هذا العدوان.
- التعبئة الجماهيرية والروح الثورية
أعطت شهادة المرشد النظام والشعب عطاءً حاراً متدفقاً لن تبرد له حرارة ولا لألف عام قادمة، تدفعهم للمضي في طريق الصبر والثبات والصمود والمواجهة. كما أسهمت في تخفيف وطأة العدوان وجسامته على الشعب والمسؤولين، الأمر الذي هانت —معه— ورخصت كل العطاءات والتضحيات.
وبهذا تحقق البعث والإحياء الجهادي والثوري للشعب الإيراني مجدداً، وبصورة ما كان لأحد —من قادة النظام ورموزه— القدرة على بعثها ونفخها فيه لولا جريمة الاغتيال وظروف الحرب والعدوان.
في المقابل، انتقل أكثر من خمسة ملايين يهودي في الأراضي المحتلة، وآلاف الضباط والجنود الأمريكيين في بعض دول المنطقة، للعيش والإقامة تحت الأرض في المخابئ والأدغال المظلمة، لا يهنأون بليل ولا نهار.
- الوحدة الوطنية وفشل تثوير الشارع
أسهمت جريمة الاغتيال في توحد الشعب الإيراني بكل أطيافه ومكوناته ضد العدوان الأمريكي الصهيوني وبشكل لا سابقة له. وخرج الملايين يملؤون الساحات والميادين متوشحين السواد —ليلاً ونهاراً— ولا يزالون إلى اليوم في مظاهرات حماسية حاشدة لتأييد ومبايعة القيادة الجديدة والنظام والجيش والحرس. والتعبير عن وحدتهم وتماسكهم وتضامنهم وصمودهم في مواجهة الحرب والعدوان، والمطالبة بضرورة الرد القوي والحاسم والرادع والثأر والانتقام، بهتافات “لا استسلام، لا حل وسط، قاتلوا أمريكا”. والصدح بأعذب كلمات العزاء والوفاء وأشجى ألحان العشق والحنين والاستلهام في رحاب عاشوراء وانتصار الدم على السيف، وكأنهم في ركاب الحسين (ع) وكربلاء.
في المقابل، فشل الأمريكيون والإسرائيليون فشلاً ذريعاً في تثوير الشارع الإيراني ضد النظام، ودفعه لإذكاء الاحتجاجات الشعبية مجدداً، وإثارة العنف والشغب والفوضى والاضطرابات. كما فشلوا في تحريك الجماعات المعارضة والانفصالية المسلحة التي تم تدريبها وتسليحها وتجهيزها منذ أربعة عقود استعداداً لاستغلالها وتوظيفها في هذا اليوم.
بل حصل العكس تماماً، حيث تمكن الجيش والحرس من المبادرة إلى توجيه أقسى الضربات وأقواها لمواقع ومراكز ومعسكرات الجماعات الانفصالية المسلحة في كردستان العراق وغيرها، وتفكيك بنيتها العسكرية والتنظيمية. كما تمكن النظام من تتبع وضبط آلاف الجواسيس والعملاء التابعين لأمريكا والموساد في الداخل الإيراني وبشكل غير مسبوق، مما أفشل كل مساعي الغزو البري المسلح وخططه المعدة سلفاً.
في الجانب المقابل، شهد المشهد السياسي الأمريكي والرأي العام انقساماً حاداً غير مسبوق. وخرج ملايين الأمريكيين —قدروا بعشرة ملايين— في أكثر من ثلاثة آلاف تجمع احتجاجي في حملة “لا ملوك” (No Kings) للتعبير عن احتجاجهم ورفضهم القاطع للحرب على إيران. وفشل ترامب وإدارته في تكوين رأي عام —أمريكي وغربي— متساوق مع الحرب ومبرراتها وأهدافها. وانطلقت أصوات شعبية وسياسية ودستورية عليا تطالب بعزل الرئيس الأمريكي لإخلاله بمسؤولياته وانحرافه بالسلطة وسوء استعمالها واستغلالها. على عكس المشهد الإيراني السياسي والوطني الذي شهد تماسكاً وتضامناً غير مسبوق.
- القيادات العسكرية الجديدة
كذلك أدى اغتيال أبرز القادة العسكريين والأمنيين الإيرانيين إلى صعود قادة جدد من الشباب الثوريين المقتدرين، المتشبعين بروح الجهاد والانتقام، والأكثر عزماً وإصراراً على ضرورة المضي في معاقبة العدو وتأديبه، وطرده وإخراجه من المنطقة.
- الرد العسكري السريع
تلقى الأمريكيون والإسرائيليون ردّاً عسكرياً سريعاً وعاجلاً وحاسماً وبقوة شديدة من قبل الجيش والحرس الثوري، وبإسناد وتأييد سياسي وشعبي واسع. ومنذ اللحظات الأولى، أمطرت القواعد الأمريكية —في المنطقة— المشاركة في العدوان بضربات صاروخية تدميرية واسعة، وهجمات مماثلة إلى عمق كيان الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.
- استهداف القواعد والمصالح الأمريكية
تلقت واشنطن والكيان وحلفاؤهم في المنطقة صفعة قوية جداً. إذ تمكنت طهران والمحور من استهداف كل قواعد أمريكا الأمنية والعسكرية ومعداتها وتجهيزاتها ومصالحها المالية والاقتصادية والتقنية والتكنولوجية في دول الخليج العربي الخمس والعراق والأردن المشاركة في العدوان، وتدميرها كلياً وجزئياً وإخراج معظمها عن الخدمة. بعد أربعة عقود وأكثر في البناء والإنشاء والتجهيز والإعداد انتظاراً لهذه الفرصة التي خُطط لها طويلاً.
وهذا ما لم يكن بإمكان النظام الإيراني التمكن منه وإدراكه وتحقيقه —ولا في عشرات السنين— لولا هذا العدوان.
- استهداف عمق كيان الاحتلال
تمكنت طهران والمحور من توجيه أقوى الضربات العسكرية إلى عمق كيان الاحتلال الإسرائيلي في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستهداف أهم قواعده ومصالحه العسكرية والأمنية والتكنولوجية والتقنية، وتدمير بعضها تدميراً مهولاً، وإخراج أكثرها من العمل والخدمة بشكل ما كان له أن يتحقق لولا هذا العدوان.
- طهران والمحور: من وحدة الساحات إلى وحدة البنادق
فشل الأمريكيون والإسرائيليون في تحقيق هدف تفكيك محور الجهاد والمقاومة والقضاء عليه، كما كان معلناً. بل على العكس من ذلك تماماً، فالذي تحقق هو تطور التنسيق وتقويته وتصعيده إلى أعلى المستويات، والارتقاء به من حالة الدعم والتضامن المالي والفني والسياسي والإعلامي إلى وحدة الساحات والموقف والبنادق والنيران. من طهران إلى فلسطين إلى العراق إلى لبنان إلى صنعاء، وصولاً إلى التبادل المشترك للخبرات والقدرات والبناء والتطوير المتكامل.
وانتقلت طهران من دور الراعي والداعم والمعين —حسب الرواية— إلى المشتبك المباشر والمهاجم المتقدم، وإلى غير رجعة ولى زمن التفرد والاستفراد والهيمنة من وراء البحار والمحيطات.
- حزب الله.. المفاجأة والقدرات
استعاد حزب الله عافيته وقدراته بشكل مذهل، ودخل ميدان الحرب والاشتباك بقوة صدمت الأعداء وفاجأت الأصدقاء. وحطم كل المعادلات الأمنية التي عمل الكيان الصهيوني عليها منذ السابع من أكتوبر 2023، ووصل إلى قناعة تامة بأنها قد تحققت وأنجزت في لبنان. وإذا بحزب الله يعاود تموضعه وانتشاره في الجنوب اللبناني على الحدود الشمالية الفلسطينية بسرعة خاطفة ومباغتة صدمت الكيان وأمريكا والأعداء والمتربصين.
وتمكن من توجيه أدق وأقوى الضربات والهجمات الصاروخية والمسيرة والموجهة، مستخدماً قدرات نوعية لم يكشف عنها سابقا ولم تكن في الحسبان. وضرب أهم المواقع والمصانع والقواعد والمعسكرات في العمق الفلسطيني المحتل، ودمر عدداً من الآليات والمعدات، ومنع تقدم العدو، وألحق بجيشه وجنوده خسائر بشرية ومادية فادحة، وضغط عليه ضغطاً شديداً.
- التعبئة الشعبية الواسعة
استعادت طهران الروحية الثورية الجهادية الخمينية، وانطلق الشعب في حملات واسعة للتعبئة والتجنيد في عموم إيران بعنوان “الروح فداء لإيران”. بلغ منتسبوها إلى ما قبل وقف إطلاق النار حوالي عشرين مليون متطوع، وتحول أغلب الشعب إلى مجاهدين ومقاتلين للدفاع عن إيران والنظام.
- مظهر الدولة الحضارية القوية
ظهرت إيران —وشعبها ونظامها— بمظهر الدولة الحضارية القوية المتماسكة، وعلى قدر عال من الانضباط والرزانة والحكمة والعقلانية والثبات الاستراتيجي (Strategic Stability). فيما ظهر الأمريكي والإسرائيلي على قدر كبير من التهور والتخبط والتشتت والارتباك وضياع الأهداف، والانتهاك الواسع للقوانين الدولية والإنسانية بعد عقود من ادعاء تبنيها وحمايتها.
وتورطوا في ارتكاب جرائم حرب جديدة وجرائم ضد الإنسانية (Crimes against Humanity) لا يمكن تجاهلها أو النجاة من تبعاتها وعواقبها، وستقودهم —حتماً، عاجلاً أو آجلاً— للمثول أمام محاكم العدل والانتقام والمساءلة والعقاب.
- فرصة الردع والانتقام
وفر العدوان —الأمريكي الإسرائيلي— لطهران الفرصة الذهبية للأخذ بثأر قادتها وشهدائها، والانتقام الشديد من أشد خصومها وأعدائها بعد مرور أكثر من أربعين عاماً من الصبر الاستراتيجي على الحصار والعقوبات والاغتيالات وتدبير الفتن والمؤامرات. وتمكنت —عبر هرمز— من فرض الحصار الخانق على كل المعتدين عليها، مما ألحق بهم خسائر وأضراراً فادحة.
كما تمكنت طهران من استعادة قوة الردع والهيبة —أو معظمها— بعد سنوات من التنمر الأمريكي الصهيوني في المنطقة. بينما خسرت واشنطن وكيانها وحلفاؤها كل ما كان قد تم بناؤه ومراكمته خلال كل السنوات والعقود الماضية.
- تفكك الحلفاء الاستراتيجيين
أدى العدوان على طهران وتحكمها الذكي في مضيق هرمز، إضافة لرفض حلفاء أمريكا الخضوع والانصياع لضغوط الانخراط المباشر في الحرب على إيران، إلى نشوب أزمة حادة بينها وبين أصدقائها الغربيين والإقليميين، وصولاً إلى الحافة في علاقتها مع أهم شركائها الاستراتيجيين في الناتو (NATO).
ولم تفلح مساعي جر الناتو —ولا حتى دولة واحدة— للإنضمام إلى الحرب، رغم كل الجهود والضغوط التي قادها ترامب وإدارته، وما وجهه من عنف لفظي وشتائم وتحقير لنظرائه الرؤساء الأوروبيين، وتهديده المتكرر بوقف الدعم والتمويل عن الناتو، وصولاً للتهديد بالانسحاب منه. وبهذا بات طرفا (الأطلسي) على وشك التفكك والانهيار بعد خمسة وسبعين عاماً من التحالف الوثيق والعمل المشترك. وهو ما يصب في مصلحة خصوم واشنطن، وفي مقدمتهم إيران وروسيا والصين.
- فشل تدويل قضية مضيق هرمز
فشلت واشنطن وإسرائيل والحلفاء الخمسة في الخليج العربي من تدويل قضية مضيق هرمز، ولم يتمكنوا من تمرير قرارات دولية تشرعن هجماتها وضرباتها على طهران أو تفضي لتشكيل تحالفات عسكرية تشاركها الحرب والعدوان.
بل خسرت أبرز حلفائها التاريخيين، لدرجة أن بعض الدول الغربية منعت عنها استخدام أراضيها وقواعدها، ومنعت طائراتها من عبور أجوائها أو تزويدها بالوقود، ورفضت رفضاً قاطعاً المشاركة في أي أعمال عسكرية ضد طهران. ولم يتمكن ترامب وإدارته من ضم أي دولة عدا دول الخليج الخمس التي حظيت بشكره وإشادته.
في المقابل، كسبت طهران شرعية الدفاع والتصدي للعدوان، وتمكنت من ممارسة ذلك ضمن محور الجهاد والمقاومة وخيار “وحدة الساحات”. وحظيت بتأييد شعبي وسياسي وإعلامي عالمي يدعم حقها المشروع في الدفاع عن بلدها وشعبها والرد على العدوان ومصادره، وعززت من حضورها وتحالفاتها وخبراتها وقدراتها.
بينما خسرت واشنطن شيئاً كثيراً من هيبتها ونفوذها وقواعدها وتواجدها وحلفائها الإقليميين والدوليين.
- التموضع الاستراتيجي
تمكنت طهران من إحكام قبضتها وفرض سيطرتها الذكية على مضيق هرمز الاستراتيجي، وبهذا ربحت أهم ورقة جيوإستراتيجية (Geostrategic Card) لم تكن في متناولها من قبل. وهو ما أدى إلى أزمة عالمية في الوقود والطاقة، وخنق غير مسبوق لأهم شرايين الاقتصاد العالمي.
وأصبح العدو محصوراً بين مضيقين استراتيجيين لا يقدر على تحمل كلفتهما (هرمز والمندب). بل غدا العالم بكله تحت رحمة المحور وقيادته. وهذا كله بسبب أمريكا وإسرائيل.
- فرصة التموضع النووي
باتت طهران أمام فرصة سانحة للانسحاب من الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) ومعاهدة حظر الأسلحة النووية (NPT)، والتحرر من كل قيود الرقابة والتفتيش الدولية، والتحول إلى قوة عسكرية نووية —فيما لو أرادت— تحت مبررات فشل الوكالة الدولية، وظروف الحرب والعدوان، وضغوط الشعب ومطالبه في حفظ الأمن القومي والسيادة والاستقلال.
- قضايا استراتيجية جديدة
تولدت عن الحرب على إيران قضايا استراتيجية كبرى لم تكن موجودة من قبل، فرضت نفسها على الشأن الدولي والإقليمي. وتصدرت مهام الوسطاء والمباحثات وملفات الحوار والتفاوض أكثر من القضايا الأساسية التي طرحت كعناوين للحرب والعدوان، وظلت أجندة الخلاف والتوتر الإقليمي والحوار والتفاوض بين أمريكا والغرب وإيران لثلاثة عقود وأكثر. وفي مقدمتها قضية مضيق هرمز وإدارته، وكل ما يتعلق بالملاحة والأمن الإقليمي الناتجة عن الحرب.
- الورقة الاستراتيجية الأهم
بهذا أصبح بيد طهران الورقة الاستراتيجية الأهم، التي تمكنها من الضغط حتى تحقيق رفع فوري لكل العقوبات عنها وعن حلفائها، والتمتع بحرية الملاحة والتبادل التجاري العالمي، ودفع كل التعويضات، وتقديم الضمانات اللازمة بعدم الاعتداء عليها أو التدخل في شؤونها مطلقاً وإلى الأبد.
إن ما تم عرضه من نتائج كسبتها طهران ما كان لها أن تتحقق ولا في عشرات السنين لولا ظروف الحرب والعدوان عليها، وثمرة الجهاد الذي ما ذكر في القرآن إلا وتوج بقوله تعالى:(ذلكم خير لكم).
وعليه، ومن وجهة نظر الكاتب، فإن أهم النقاط التي راهن عليها الأمريكيون في تحقيق أهداف العدوان العسكري على طهران —وبالذات هدف إسقاط النظام والتجزئة والتقسيم— تتمحور في إثارة الشارع الإيراني والاحتجاجات الشعبية، والعنف والفوضى الأمنية، وتحرك الجماعات المعارضة والانفصالية المسلحة. وهو ما لم تتمكن من تحقيقه أو أي شيء منه حتى الآن.
أما بقية النقاط فما كانت إلا خطوات تمهيدية للمساعدة في تحريك النقاط الأساس المتعلقة بالداخل الإيراني نفسه. وبرأيي أن المعضلة الأكثر تحدياً وخطورة —أمام إيران— تكمن في مرحلة ما بعد الحرب والعدوان عليها.
صحيح أن إيران قد تعرضت لخسائر مادية وبشرية جسيمة كطرف معتدى عليه، لكنها قابلة للتعويض في المدى القريب، ولا تقاس بمقابل ما تكون قد حققته من مكاسب أخرى، إلا أن ما لحق بواشنطن وحلفائها من خسائر إستراتيجية غير قابلة للتعويض في معظمها ولا في المدى البعيد، وإن كانت خسائرها البشرية أقل كطرف معتدي وبادئ بالهجوم.
وبالنظر إلى ما تم سرده من نتائج وحقائق، فبإمكاننا أن نستخلص الإجابات المتعلقة بالمشكلة وفرضياتها، وأن نحدد بوضوح أبرز المكاسب والخسائر في هذه المعركة، وما الذي حققته طهران وما لم تحققه، وما الذي حققه الأمريكيون والصهاينة وما لم يحققوه.
والسؤال الآن: هل ستسقط الحرب النظام في إيران وتحقق أهداف واشنطن وكيان الاحتلال ولو مستقبلا، أم ستسهم في ترسيخه وتثبيته وتعطيه زخماً قوياً ودفعاً جديداً ولأمدٍ طويل؟
تتوقف الإجابة على ما ستؤول إليه مفاوضات إسلام آباد، وما إذا كانت واشنطن قادرة على تعويض خسائرها الاستراتيجية، أو أن طهران ستنجح في ترجمة مكاسبها الميدانية إلى معادلات إقليمية جديدة كما هو المأمول.
