قاعدة “عوفدا” في طور التحوّل: قراءة تحليلية في إعادة هندسة العمق الجوي للكيان الصهيوني
د.نبيلة عفيف غصن
مقدمة: من قاعدة طرفية إلى عقدة استراتيجية لم تعد التغييرات التي رُصدت في قاعدة “عوفدا” الجوية في النقب مجرد أعمال صيانة دورية أو تحديثات تقنية معزولة، بل تشير—عند قراءتها ضمن سياقها الجيوسياسي والعسكري—إلى عملية إعادة هيكلة شاملة لدور هذه القاعدة داخل منظومة القوة الجوية للكيان الصهيوني. ما تكشفه صور الأقمار الصناعية بين مطلع يناير و27 مارس هو انتقال نوعي في وظيفة “عوفدا”: من قاعدة دعم وتدريب إلى محور عملياتي متقدم، يعاد تأهيله ليكون جزءاً من بنية هجومية–دفاعية متكاملة في زمن الحروب متعددة الجبهات.
أولاً: البنية التحتية كمرآة للتحول العقائدي العسكري التغييرات في وسط القاعدة—خاصة إعادة رصف المدرج الرئيسي—ليست تفصيلاً تقنياً. إعادة تأهيل المدارج ترتبط عادة بزيادة وتيرة الطلعات الجوية، أو باستقبال منصات أثقل وأكثر تطوراً، مثل الطائرات الشبحية أو طائرات التزود بالوقود. إنشاء مربض جديد للطائرات، وربطه بمربضين آخرين، يكشف عن توجه نحو رفع الكثافة التشغيلية وتحسين سرعة الانتشار والاستجابة.
أما التغيرات في التربة عبر سبعة مواقع مختلفة، فهي مؤشر واضح على أعمال بنيوية عميقة: تمديدات تحت الأرض، تحصينات، أو تجهيزات لوجستية متقدمة. هذا النوع من الأعمال يعكس انتقال القاعدة إلى مستوى أعلى من الجاهزية، حيث لا تقتصر الوظيفة على الاستيعاب، بل تمتد إلى الاستمرارية في ظروف الحرب.
ثانياً: الأطراف العسكرية – تحصين القاعدة في مواجهة الضربات في أطراف القاعدة، تبرز ملامح تحصينات جديدة تشبه مخابئ الطائرات، إضافة إلى مواقع يُرجح أنها مخصصة لمنظومات دفاع جوي. إدخال صواريخ وآليات عسكرية إلى هذه المناطق يدل على أن “عوفدا” لم تعد مجرد منصة انطلاق، بل أصبحت أيضاً هدفاً محتملاً يتطلب حماية متعددة الطبقات.
هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لدى المؤسسة العسكرية الصهيونية بأن قواعدها الجوية باتت ضمن مدى التهديد، سواء من صواريخ دقيقة أو طائرات مسيّرة. وعليه، فإن إعادة تصميم القاعدة تتضمن منطق “البقاء تحت النار”، أي القدرة على مواصلة العمل حتى في ظل تعرضها لضربات.
ثالثاً: الجنوب والنواة الصاروخية – توسيع القدرة الضاربة في أقصى جنوب القاعدة، حيث توجد بنى مرتبطة بالصواريخ، تم رصد إنشاء بؤرة جديدة مشابهة لما هو قائم، إلى جانب امتدادات إنشائية إضافية. هذا التوسع لا يمكن فصله عن تطوير قدرات الضرب بعيدة المدى، سواء في إطار الردع أو العمليات الاستباقية.
إن بناء عقد صاروخية جديدة داخل قاعدة جوية يشير إلى دمج متزايد بين سلاحي الجو والصواريخ، وهو اتجاه يعكس تحوّلاً نحو عقيدة “الضربة المركبة”، حيث يتم تنسيق الهجمات الجوية مع إطلاق صواريخ دقيقة لتحقيق تأثير تدميري مضاعف.
رابعاً: الربط اللوجستي – طريق 12 كعمود فقري للحرب من أبرز المؤشرات التي ظهرت في صور الأقمار الصناعية هو تحديث المسار الذي يربط البؤر الجديدة بطريق 12 الرئيسي، الذي يشكل شرياناً لوجستياً حيوياً يمتد عبر النقب. هذا الربط يعزز قدرة القاعدة على تلقي الإمدادات بسرعة، وإعادة توزيع الموارد نحو جبهات متعددة.
تكمن أهمية هذا المسار في أنه لا يخدم “عوفدا” فقط، بل يربطها بشبكة أوسع من القواعد والمنشآت العسكرية، ما يحولها إلى عقدة ضمن نظام لوجستي متكامل يمكنه دعم العمليات من الجنوب حتى الشمال، وصولاً إلى الجبهة اللبنانية.
خامساً: السياق الإقليمي – لماذا الآن؟ لا يمكن قراءة هذه التحديثات بمعزل عن البيئة الاستراتيجية المحيطة. المنطقة تشهد تصاعداً في احتمالات المواجهة متعددة الجبهات، مع تزايد قدرات الفاعلين غير الدولتيين، وتطور منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة في محيط الكيان الصهيوني.
في هذا السياق، تصبح “عوفدا” بمثابة عمق استراتيجي بديل أو مكمّل للقواعد الأكثر عرضة في الشمال والوسط. موقعها في النقب يمنحها ميزة نسبية من حيث البعد الجغرافي عن بعض التهديدات المباشرة، ما يجعلها مرشحة للعب دور احتياطي أو حتى قيادي في حال تعطلت قواعد أخرى.
سادساً: من الجغرافيا إلى الشبكات – إعادة تعريف القاعدة العسكرية ما يجري في “عوفدا” يعكس تحوّلاً أوسع في مفهوم القاعدة العسكرية: من موقع ثابت إلى عقدة ضمن شبكة ديناميكية. الربط بين المدارج، المربض، المخازن، ومنظومات الدفاع، إضافة إلى تكاملها مع الطرق اللوجستية، يشير إلى نموذج “القاعدة الشبكية” التي تعمل ضمن منظومة قيادة وتحكم موزعة.
هذا النموذج يهدف إلى تقليل نقاط الضعف، وزيادة المرونة، وتمكين القوات من التكيف السريع مع تغيرات ساحة المعركة. وهو أيضاً استجابة مباشرة لتحديات الحرب الحديثة، حيث لم يعد التفوق يعتمد فقط على عدد الطائرات، بل على قدرة النظام ككل على الصمود والتكيّف.
خاتمة: عوفدا كمرآة لتحول استراتيجي أعمق إن التغييرات الواسعة في قاعدة “عوفدا” ليست مجرد تطوير عسكري تقني، بل تعبير عن إعادة تموضع استراتيجي للكيان الصهيوني في مواجهة بيئة أمنية متحولة. نحن أمام عملية إعادة هندسة للعمق الجوي، تقوم على الدمج بين التحصين، والمرونة، والقدرة الهجومية.
في هذا الإطار، تتحول القواعد الجوية إلى منصات متعددة الوظائف: تقلع منها الطائرات، وتُخزن فيها الصواريخ، وتُدار منها المعركة ضمن شبكة مترابطة. وعليه، فإن فهم ما يجري في “عوفدا” لا يقتصر على قراءة صور الأقمار الصناعية، بل يتطلب إدراك التحول البنيوي في طبيعة الحرب نفسها—حرب لم تعد تُخاض فقط على الخطوط الأمامية، بل في عمق البنية التحتية، حيث يُعاد رسم ميزان القوة بصمت، ولكن بآثار بعيدة المدى.
