د.نبيلة عفيف غصن

مقدمة: حين تكشف التفاصيل الهامشية بنية العالم الخفي
ليست كل القضايا الكبرى تُفهم من خلال وقائعها المباشرة، ولا كل الجرائم تُختزل في منفذيها الظاهرين. ففي كثير من الأحيان، تكمن الحقيقة في “الهوامش”: في الأسماء التي تمرّ عابرة، في الشبكات التي لا تُرى، وفي الروابط التي لا تُدوَّن رسمياً لكنها تحكم مسار الأحداث. من هنا، تبرز مسألة “أبو مريم الأسترالي” ليس بوصفها مجرد سيرة فرد، بل كنافذة تحليلية على بنية أوسع: بنية الجهاد المعولم، وتشابكاته بين الاغتراب اللبناني في أستراليا، وساحات الصراع في سورية الطبيعية، والتقاطعات الغامضة مع أحداث مفصلية مثل اغتيال رفيق الحريري.
إن السؤال عن العلاقة بين هذا الرجل و”مجموعة الـ 11” ليس سؤالاً جنائياً ضيقاً، بل هو سؤال بنيوي: كيف تُنتج البيئات ذاتها أجيالاً مختلفة من الفاعلين؟ وكيف تتحول الشبكات من العمل اللوجستي إلى إدارة “اقتصاد الحرب”؟ وكيف تستمر البنية رغم تبدل الأسماء والواجهات؟

أولاً: السياق الزمني والتحولات التنظيمية — من لحظة 2005 إلى ما بعدها
تثير مسألة “أبو مريم الأسترالي” (المعروف بانتمائه لآل سكرية) وتوليه منصباً حساساً مثل “مدير الصندوق السيادي” في هيكلية “هيئة تحرير الشام” تساؤلات منطقية حول الروابط التاريخية والشبكات الجهادية العابرة للقارات، خاصة تلك التي تربط أستراليا ولبنان وسوريا.
للإجابة على احتمال وجود علاقة بينه وبين “مجموعة الـ 11” الذين ارتبطت أسماؤهم بقضية اغتيال الحريري، يجب النظر في النقاط التالية، ولكن ليس بوصفها نقاطاً منفصلة، بل كسردية متكاملة لتحول تاريخي عميق.
ظهر مصطلح “مجموعة الـ 11” في أعقاب اغتيال رفيق الحريري عام 2005، في لحظة كان فيها العالم لا يزال يعيش ارتدادات هجمات 11 أيلول، وكانت الأجهزة الأمنية الغربية تعيد رسم خرائط “الخطر الجهادي” على مستوى العالم. في هذا السياق، برزت أستراليا – وتحديداً مدن مثل سيدني وملبورن – كمراكز غير متوقعة لنشاط شبكات مرتبطة بالقاعدة، معظمها من أبناء الجاليات اللبنانية المهاجرة[^1].
لم تكن هذه الشبكات تعمل بشكل مباشر دائماً، بل ضمن ما يمكن تسميته بـ”البنية العنقودية”: خلايا صغيرة، متصلة أيديولوجياً، ومتماسكة اجتماعياً، لكنها لا تحتاج إلى أوامر مركزية واضحة لكي تتحرك. هذا النموذج هو ما يجعل الربط القضائي المباشر صعباً، لكنه في الوقت ذاته يجعل الترابط البنيوي شبه مؤكد.
في المقابل، يمثل “أبو مريم الأسترالي” تجسيداً لمرحلة لاحقة من هذا التطور. فصعوده في إدلب ودمشق ضمن سلطة الجولاني لا يمكن فصله عن تلك المرحلة التأسيسية. هو، بهذا المعنى، ليس استثناءً، بل نتيجة. نتيجة لمسار بدأ في مطلع الألفية، حيث كانت شبكات التجنيد في أستراليا تنقل الأفراد والأفكار والتمويل نحو ساحات الصراع، قبل أن تتحول لاحقاً إلى بنى أكثر تعقيداً تتولى إدارة “اقتصاد النزاع”.

ثانياً: الروابط العائلية والجغرافية — آل سكرية كحالة نموذجية
إذا كانت التنظيمات تُبنى على الأيديولوجيا، فإنها تستمر عبر الروابط الاجتماعية. وهنا تبرز أهمية عائلة سكرية، ليس بوصفها “اتهاماً جماعياً”، بل كنموذج لفهم كيف تتقاطع الهجرة، والهوية، والسياسة.
عائلة سكرية، وخاصة الأفرع التي هاجرت إلى أستراليا من شمال لبنان، كانت تاريخياً تحت مجهر الأمن الأسترالي (ASIO)[^2]. هذا لا يعني بالضرورة أن كل أفرادها منخرطون في نشاطات غير قانونية، بل يشير إلى أن بعض أسمائها ارتبطت، في مراحل مختلفة، بنشاطات سلفية جهادية.
في بيئات الاغتراب، تلعب العائلة دوراً مضاعفاً: فهي ليست فقط إطاراً اجتماعياً، بل أيضاً شبكة ثقة. وفي التنظيمات السرية، تُعد “الثقة” العملة الأهم. من هنا، يصبح احتمال انتماء “أبو مريم” إلى نفس البيئة الاجتماعية التي خرجت منها “مجموعة الـ 11” عاملاً حاسماً في فهم موقعه.
إن المساجد، والمراكز الثقافية، وشبكات العلاقات اليومية في سيدني وملبورن بين عامي 2000 و2010 لم تكن مجرد فضاءات دينية، بل كانت – في بعض الحالات – نقاط التقاء لعمليات تجنيد منظمة لصالح القاعدة[^3]. وفي هذه البيئة، تشكّلت “دوائر” غير رسمية من الأفراد الذين سيتوزعون لاحقاً على مسارات مختلفة: بعضهم انتهى في السجون، بعضهم اختفى، وبعضهم – مثل أبو مريم – صعد إلى مواقع قيادة.

ثالثاً: التقاطع التنظيمي — من القاعدة إلى “تحرير الشام”
لفهم موقع “أبو مريم”، لا بد من قراءة التحول من القاعدة إلى هيئة تحرير الشام ليس كقطيعة، بل كتحوّل وظيفي.
الجسر التنظيمي بين الكيانين واضح: فجبهة النصرة، التي تحولت لاحقاً إلى “هيئة تحرير الشام”، نشأت كفرع رسمي للقاعدة في سوريا[^4]. ومع أن التحولات السياسية والإعلامية حاولت تقديمها ككيان “محلي”، إلا أن بنيتها العميقة لا تزال تحمل إرث القاعدة، خاصة في ما يتعلق بالتمويل، والحوكمة الداخلية، وإدارة الشبكات العابرة للحدود.
في هذا السياق، يصبح منصب مثل “مدير الصندوق السيادي” موقعاً بالغ الحساسية. فهو لا يتطلب فقط خبرة مالية، بل أيضاً تاريخاً طويلاً من الثقة التنظيمية. الأشخاص الذين يصلون إلى هذا المستوى هم، عادة، أولئك الذين أثبتوا ولاءهم عبر سنوات من العمل في “الخارج” – أي في شبكات التمويل والتحويل والتنسيق الدولي.
تولي شخص “أسترالي-لبناني” لهذا المنصب ليس تفصيلاً عرضياً. بل هو مؤشر على أن الخبرات التي طورتها شبكات القاعدة في الغرب – خاصة في ما يتعلق بإدارة الأموال وتجاوز الرقابة – قد أعيد توظيفها داخل بنية “الدولة غير المعلنة” التي تحاول الهيئة بناءها في شمال سوريا.

رابعاً: الهوية الحقيقية — بين الاسم والدور
بناءً على المعلومات المتاحة والتقارير الحديثة (حتى عام 2026)، تبرز شخصية “أبو مريم الأسترالي” كأحد أقوى الشخصيات الاقتصادية في سوريا حالياً، وتحديداً ضمن هيكلية السلطة التي يقودها “أبو محمد الجولاني”.
تشير التقارير الاستخباراتية والصحفية إلى أن اسمه الحقيقي هو إبراهيم سكرية (Abraham Succarieh)، وهو أسترالي من أصل لبناني[^5]. هذا الاسم لا يختزل شخصاً، بل يختزل مساراً: من الاغتراب إلى الجهاد، ومن الهامش إلى مركز القرار.
ينتمي لعائلة آل سكرية، وشقيقه هو أحمد سكرية، الذي ارتبط اسمه أيضاً بنشاطات جهادية وتسهيل سفر المقاتلين. هذا الامتداد العائلي يعزز فكرة “الشبكة” لا “الفرد”.
أما منصبه الحالي، فهو يتجاوز التسمية. كونه “مدير اللجنة الاقتصادية” أو “الصندوق السيادي” يعني أنه يشرف على:
إدارة أصول بمليارات الدولارات
التفاوض مع رجال الأعمال
إعادة توزيع الثروة داخل مناطق السيطرة
بناء نظام مالي بديل
إنه، عملياً، “وزير مالية” كيان غير معترف به، لكنه فاعل على الأرض.

خامساً: الرابط مع “مجموعة الـ 11” — بين المباشر والبنيوي
بالنسبة إلى مسألة العلاقة مع “مجموعة الـ 11”، لا بد من التمييز بين مستويين:

  1. المستوى المباشر
    لا يوجد دليل قضائي معلن يربط “أبو مريم” مباشرة بملف اغتيال الحريري. وقد اتجهت المحكمة الدولية في مسار تقني مختلف، ركّز على شبكات الاتصالات[^6].
  2. المستوى البنيوي
    وهنا تكمن الأهمية الحقيقية.
    في عام 2005، غادر عدد من اللبنانيين الأستراليين بيروت إلى سيدني بعد الانفجار، وأُثيرت شبهات حولهم، بما في ذلك العثور على آثار متفجرات على مقاعد الطائرة[^7]. هؤلاء كانوا جزءاً من شبكة أوسع خضعت للتحقيق.
    في الوقت نفسه، كانت عائلات مثل آل سكرية ضمن دائرة المراقبة، وارتبطت أسماء منها بتنظيم القاعدة.
    إذا وضعنا هذه المعطيات في سياقها، يظهر أن “أبو مريم” هو نتاج نفس “المدرسة التنظيمية”: نفس البيئة، نفس الشبكات، نفس البنية الفكرية.

سادساً: الصعود — من الميدان إلى إدارة الاقتصاد
دخل “أبو مريم” سوريا بين عامي 2012 و2013، في ذروة الحرب. في البداية، كان فاعلاً ميدانياً ضمن جبهة النصرة، حيث عُرف كـ”أمير القاطع الشمالي” في إدلب.
لكن ما يميزه هو تحوله اللاحق. بخلاف كثير من القادة الميدانيين، انتقل إلى المجال المالي والإداري. ظهر في مقاطع فيديو يتحدث الإنجليزية بطلاقة، مقدماً نفسه كخبير في “الحوكمة”.
هذا التحول ليس فردياً، بل يعكس تحولاً أوسع داخل التنظيمات الجهادية: من “حرب العصابات” إلى “إدارة الكيانات”.
اليوم، يُعتبر العقل المدبر لنظام “شام كاش”، وهو منظومة مالية رقمية تهدف إلى:
تنظيم المعاملات
مراقبة التدفقات المالية
تقليل الاعتماد على النقد
بناء اقتصاد شبه مستقل
كما يدير آلية “التسويات” مع رجال الأعمال، حيث تُفرض عليهم ترتيبات مالية مقابل ضمان “الأمان”.

الاستنتاج الاحتمالي: استمرارية لا انقطاع
رغم عدم وجود وثيقة معلنة تربط “أبو مريم” بالاسم في ملف اغتيال الحريري، إلا أن الترابط الهيكلي قوي جداً.
الاحتمالات تشير إلى:
وحدة المنبت: كلاهما (أبو مريم ومجموعة الـ 11) يمثلان “الموجة الأسترالية-اللبنانية” التي شكلت العمود الفقري اللوجستي للقاعدة في الخارج.

التسلسل القيادي: وصول “أبو مريم” إلى قمة الهرم المالي يرجح أنه كان كادراً قديماً وموثوقاً، ما يجعله معاصراً لتلك الخلايا.

ملاحظة: طبيعة هذه التنظيمات تعتمد على “الخلايا العنقودية”، لذا قد لا يكون هناك رابط تنفيذي مباشر في “عملية الحريري”، ولكن الرابط في “البنية التحتية للتجنيد والتمويل” بين استراليا وبلاد الشام هو رابط مؤكد تاريخياً.

خاتمة: من الاغتيال إلى الإمبراطورية — حين يتحول الظل إلى نظام
إن ما تكشفه هذه القراءة ليس مجرد تقاطع بين اسمين أو مرحلتين، بل مسار تاريخي كامل: من خلايا متناثرة في ضواحي سيدني، إلى بنية مالية تدير اقتصاد منطقة كاملة في سورية الطبيعية.
لقد تغيرت الأدوار، لكن البنية بقيت. تحولت الشبكات من دعم العمليات إلى إدارة الموارد، ومن العمل السري إلى شبه العلني، ومن “الجهاد” كفعل عسكري إلى “الجهاد” كمنظومة حكم.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في الأفراد، بل في القدرة على إعادة إنتاج الشبكات نفسها بأشكال جديدة.
إن اغتيال الحريري لم يكن نهاية قصة، بل كان لحظة ضمن مسار أطول. مسار تُعاد فيه صياغة القوة، وتُبنى فيه “إمبراطوريات ظل” لا تحتاج إلى اعتراف دولي لكي تمارس سيادتها.
في هذا العالم، لا تكفي العدالة القضائية لفهم ما حدث، ولا تكفي السياسة التقليدية لمواجهة ما يتشكل. المطلوب هو وعي بنيوي، قادر على قراءة ما وراء الأحداث، وربط الخيوط التي تبدو متباعدة.
لأن ما لا يُفهم، يُعاد إنتاجه.

الهوامش والمراجع
[^1]: تقارير أمنية أسترالية حول شبكات القاعدة في سيدني وملبورن (2003–2006).
[^2]: Australian Security Intelligence Organisation (ASIO) reports on Lebanese diaspora networks.
[^3]: دراسات حول التطرف في الجاليات المسلمة في أستراليا، مركز Lowy Institute.
[^4]: تقارير الأمم المتحدة حول نشأة جبهة النصرة كفرع للقاعدة في سوريا.
[^5]: Reuters & The Cradle investigations on HTS financial networks (2024–2026).
[^6]: المحكمة الخاصة بلبنان، الأحكام والملفات التقنية المتعلقة باغتيال الحريري.
[^7]: تقارير إعلامية لبنانية ودولية حول “مجموعة الـ 11” والتحقيقات الأولية (2005).