اغتيال الحريري: الحقيقة الموؤودة بين تسييس “الاتصالات” وخيوط “الضنية” المبتورة

د.نبيلة عفيف غصن

العمق الاستخباراتي والتكنولوجي لعملية مُركّبة في زمن الهيمنة
مقدمة: في تفكيك “الحقيقة المصنّعة” وكسر احتكار السردية
لم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري حدثاً أمنياً عابراً في سياق لبناني مضطرب، بل شكّل لحظة مفصلية أعادت رسم التوازنات السياسية في سورية الطبيعية، وفتحت الباب أمام طور جديد من إعادة تشكيل المنطقة وفق هندسة جيوسياسية تتجاوز الفاعلين المحليين إلى غرف القرار الدولية. لقد جرى منذ اللحظة الأولى إنتاج “حقيقة جاهزة”، لا بوصفها نتيجة تحقيق، بل كأداة توجيه سياسي، حيث تحوّل الدم إلى مادة لإعادة تركيب السلطة، وتحولت العدالة إلى منصة لإعادة تعريف العدو والصديق.
إن قراءة هذا الحدث بعد أكثر من عقدين تفرض الخروج من أسر الرواية الرسمية، والانتقال إلى تفكيك البنية العميقة للتحقيق ذاته: كيف جرى اختيار الأدلة؟ ولماذا أُهملت مسارات بعينها رغم قوتها الجنائية؟ وكيف تحولت التكنولوجيا من أداة كشف إلى أداة تضليل؟ إن هذا النص لا يسعى إلى تقديم “رواية بديلة” بقدر ما يعمل على كشف آليات صناعة الرواية نفسها، أي كيف تُنتج “الحقيقة” حين تكون خاضعة لتوازنات القوة لا لمعايير العلم الجنائي.

أولاً: تشريح “فجوة الأدلة” — ملف الحجاج الأستراليين كاختبار مُسقط للعلم الجنائي
في قلب التحقيق المبكر، برز ما يمكن اعتباره أحد أخطر الخيوط التي ظهرت ثم اختفت بشكل مفاجئ: مجموعة المسافرين من أصول لبنانية، المرتبطين جغرافياً بمنطقة الضنية، والذين غادروا بيروت باتجاه أستراليا في توقيت حساس تزامن مع عملية الاغتيال [1].
غير أن أهمية هذا الخيط لا تكمن فقط في التوقيت، بل في طبيعة الأدلة المرتبطة به. فقد استخدمت السلطات الأسترالية في مطار سيدني أجهزة متقدمة من نوع Ion Mobility Spectrometry (IMS)، وهي تقنيات مصممة لرصد آثار متناهية الصغر من المواد الكيميائية، بما فيها المتفجرات العسكرية. النتائج التي ظهرت لم تكن ملتبسة: وجود آثار لمواد مثل RDX وPETN على عدد من المسافرين [2].
في السياق الجنائي، لا يمكن التعامل مع هذه النتائج كـ”مؤشرات ضعيفة”. إن مادة RDX تحديداً تُعد من المتفجرات العسكرية عالية الاستقرار، ولا تدخل في الاستخدام المدني، ولا يمكن أن تظهر عبر تلوث بيئي عابر كما قد يحدث مع مواد صناعية أخرى. وجودها يعني تماساً مباشراً أو غير مباشر مع مادة متفجرة أو مع بيئة تشغيلها [3].
هنا تتجلى المفارقة: بدلاً من أن يتحول هذا الخيط إلى محور التحقيق، جرى احتواؤه سريعاً وإعادة تصنيفه ضمن خانة “الالتباس”. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل كان هذا الإهمال نتيجة قصور، أم نتيجة قرار؟
لو استمر التحقيق وفق المنهج الجنائي البحت، لكان من الضروري الانتقال إلى مرحلة أعمق: تتبع شبكات الدعم اللوجستي، تحديد الجهات التي سهّلت حركة هؤلاء، وفحص إمكانيات ارتباطهم ببنية تشغيل أوسع. وهو مسار كان سيقود حتماً إلى تقاطعات مع أجهزة استخبارات دولية أو شبكات عابرة للحدود [4].

ثانياً: “أحمد أبو عدس” — صناعة واجهة التضليل وإدارة الانتباه
يمثل ملف أحمد أبو عدس نموذجاً كلاسيكياً لما يمكن تسميته بـ”الواجهة الاستخباراتية”. شاب يختفي قبل أسابيع من العملية، ثم يظهر فجأة في تسجيل مصور يتبنى العملية، قبل أن يختفي مجدداً من مسار التحقيق وكأنه لم يكن [5].
التحليل التقني لهذا التسجيل يكشف أنه لم يكن إنتاجاً عشوائياً. جودة التصوير، توقيت البث، وآلية التوزيع الإعلامي تشير إلى وجود بنية تنظيمية قادرة على إدارة الرسالة الإعلامية بشكل متزامن مع الحدث الأمني. هذا النمط لا يتطابق مع قدرات مجموعات فردية أو خلايا بدائية، بل يتطلب غرفة عمليات تمتلك أدوات التحكم الإعلامي والاستخباراتي [6].
وظيفة هذا التسجيل لم تكن إثبات المسؤولية، بل توجيه التحقيق. لقد وضع المحققين أمام مسارين جاهزين: “الإرهاب الجهادي” أو “الارتباط السوري”. وفي كلا الحالتين، يتم إبعاد الأنظار عن احتمال وجود مشغّل أكثر تعقيداً.
الأهم من ذلك أن ملف أبو عدس لم يُستكمل. لم يُطرح بجدية سؤال: من استدرجه؟ من صوّره؟ من بث التسجيل؟ إن تغييب هذه الأسئلة لا يمكن اعتباره صدفة، بل يعكس وظيفة محددة لهذا العنصر: أن يكون أداة تضليل مؤقتة يتم التخلص منها بعد استنفاد دورها [7].

ثالثاً: الحرب الرقمية — داتا الاتصالات كأداة لإعادة هندسة الواقع
مع تعثر المسارات الميدانية، انتقل التحقيق إلى مجال آخر: داتا الاتصالات. وهنا حدث التحول الأخطر، من الأدلة المادية إلى الأدلة الافتراضية.
اعتمدت المحكمة الدولية على ما يُعرف بـ”تحليل التلازم الجغرافي” (Co-location Analysis)، أي تتبع حركة الهواتف الخلوية وربطها زمنياً ومكانياً بمسرح الجريمة. ظاهرياً، يبدو هذا المنهج علمياً، لكنه في الواقع يقوم على فرضيات قابلة للاختراق [8].
في عام 2005، كانت تقنيات مثل SIM cloning وsignal spoofing معروفة لدى أجهزة استخبارات متقدمة. هذه التقنيات تتيح إنشاء “هويات رقمية” مزيفة، أو إعادة توجيه الإشارات بحيث يظهر الهاتف في موقع غير موقعه الحقيقي. بمعنى آخر، يمكن هندسة مسار رقمي كامل لشخص لم يكن موجوداً فعلياً في المكان [9].
الأخطر أن هذه الأدلة لا تتضمن محتوى الاتصالات، بل فقط بياناتها الشكلية: متى تم الاتصال وأين. ومع ذلك، جرى استخدامها لبناء سردية اتهامية كاملة، مع اعتبار “الصمت” بعد الانفجار دليلاً على التورط.
في المعايير الجنائية الصارمة، لا يمكن اعتبار هذا النوع من الأدلة كافياً للإدانة دون دعم مادي مباشر. لكن في هذه الحالة، جرى تضخيمه ليصبح “الحقيقة المركزية”، في مقابل تهميش الأدلة الفيزيائية التي يصعب التلاعب بها [10].

رابعاً: لماذا تم استبعاد المسارات الخطرة؟ — العدالة كأداة وظيفية
لفهم سبب هذا الانحراف في مسار التحقيق، لا بد من الانتقال من المستوى التقني إلى المستوى السياسي.
إن اغتيال الحريري لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل كان “محركاً حدثياً” لإطلاق سلسلة من التحولات، أبرزها تنفيذ القرار 1559، الذي استهدف إعادة تشكيل موازين القوى في لبنان والمنطقة [11].
ضمن هذا الإطار، كان من الضروري إنتاج “حقيقة وظيفية”، أي سردية تخدم الهدف السياسي. هذا يتطلب استبعاد أي مسار قد يقود إلى نتائج غير مرغوب بها، خاصة إذا كان يشير إلى دور محتمل لأجهزة استخبارات دولية أو شبكات معقدة خارج الثنائية المحلية (سوريا/المقاومة).
إن خيط “الأستراليين” تحديداً كان خطيراً لأنه يفتح الباب أمام فرضية “العملية المركبة”، حيث يتقاطع الفاعل الميداني مع المشغّل الاستخباراتي. وهو ما كان سيُفقد الرواية الرسمية قدرتها على التبسيط والتوجيه [12].

خامساً: بين المسار المادي والمسار الرقمي — مقارنة تكشف الانحياز البنيوي
إن المقارنة بين المسارين تكشف بوضوح طبيعة الاختيار الذي تم:
المسار المادي، المرتبط بآثار المتفجرات والتحقيقات الميدانية، كان يقود إلى فضاء معقد يصعب التحكم بنتائجه. أما المسار الرقمي، فكان أكثر مرونة وقابلية لإعادة التشكيل بما يتناسب مع السردية المطلوبة.
هذا لا يعني أن داتا الاتصالات غير مفيدة، بل يعني أن استخدامها بشكل انتقائي، مع تجاهل باقي الأدلة، يحولها من أداة تحقيق إلى أداة اتهام.

سادساً: نحو فهم “العملية المركبة” — حين يتكامل التنفيذ مع الإخراج
إن ما تشير إليه مجمل المعطيات هو أن عملية الاغتيال لا يمكن فهمها كنشاط منفرد، بل كـعملية مركبة متعددة الطبقات.
قد يكون التنفيذ تم عبر أدوات ميدانية محددة، لكن تصميم المشهد العام — من إدارة الأدلة إلى توجيه التحقيق — تم ضمن إطار أوسع، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع السياسة، والاستخبارات مع القضاء.
في هذا النموذج، لا تكون الجريمة فقط في التفجير، بل في إعادة إنتاجها سردياً بما يخدم توازنات القوة.

الخاتمة: من العدالة المُدارة إلى الوعي النهضوي
إن أخطر ما في قضية اغتيال الحريري ليس فقط الجريمة بحد ذاتها، بل الطريقة التي جرى بها تحويل التحقيق إلى أداة سياسية. لقد تم استبدال الحقيقة بالوظيفة، والعدالة بالسردية، والعلم الجنائي بالهندسة الرقمية.
إن النهضة الحقيقية لا تبدأ بإعلان مواقف، بل بإعادة بناء الوعي النقدي القادر على تفكيك هذه البنى. المطلوب ليس تبني رواية مضادة، بل كسر احتكار الرواية، وفتح المجال أمام مساءلة جذرية لكل ما قُدم كـ”حقيقة نهائية”.
في زمن تتحول فيه البيانات إلى سلاح، والإعلام إلى غرفة عمليات، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأخير. والرهان اليوم ليس فقط على كشف ما حدث، بل على منع تكرار النموذج ذاته: نموذج اغتيال يُنفذ في الميدان، ويُحسم في غرف السرد.

الهوامش
[1] تقارير أمنية لبنانية أولية حول مغادرة ركاب مشتبه بهم، 2005.
[2] إفادات الشرطة الفيدرالية الأسترالية حول نتائج IMS، 2005.
[3] مراجع علمية حول خصائص متفجرات RDX واستخداماتها العسكرية.
[4] تحليلات استخباراتية حول شبكات الدعم اللوجستي للعمليات المعقدة.
[5] ملف التحقيق في قضية أحمد أبو عدس.
[6] دراسات حول استخدام الإعلام في العمليات الاستخباراتية.
[7] تحليل قانوني لثغرات التعامل مع ملف أبو عدس.
[8] تقارير المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حول داتا الاتصالات.
[9] دراسات تقنية حول اختراق شبكات GSM.
[10] أدبيات القانون الجنائي حول الأدلة الظرفية.
[11] نص القرار 1559 وسياقه السياسي.
[12] تحليلات جيوسياسية حول توظيف الاغتيالات في إعادة تشكيل المنطقة.

لائحة المراجع
بشرى الخليل، ملفات قضائية مسكوت عنها في اغتيال الحريري.
تقرير فيتزجيرالد، الأمم المتحدة.
يورغن كولبل، ملف الحريري: أدلة مخفية.
أرشيف الصحافة اللبنانية (السفير، الأخبار).
وثائق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
دراسات تقنية حول أمن الاتصالات (GSM Security Reports).