بيان صادر عن المكتب السياسي لجبهة المقاومة الإسلامية في سورية – أولي البأس
تفرض اللحظة التاريخية الراهنة في المنطقة ضرورة الانتقال من التوصيف السطحي للأحداث إلى التحليل البنيوي العميق، الذي يربط بين المتغيرات الميدانية والمعادلات الجيوسياسية الكبرى؛ حيث تتجلى ملامح الصراع الوجودي ضد المشروع الصهيو-أمريكي بوصفها صورة جلية للاشتباك بين إرادة التحرر الوطنية ومنظومات الاستكبار العالمي.
إن القراءة الاستراتيجية الممنهجة لمسار التحولات الإقليمية تقود إلى استنتاج مركزي مؤداه أن استقرار الكيان الصهيوني واستمرارية تفوقه النوعي ليسا معطىً ذاتياً منعزلاً، بل هما نتاج وظيفي مباشر لمنظومة الحماية الأمنية والعسكرية التي توفرها شبكة القواعد الأمريكية المنتشرة في الإقليم؛ وهي التي تمثل في جوهرها الرافعة اللوجستية والسياسية التي تحول دون تآكل ركائز الاحتلال أمام قوى المقاومة.
وبناءً على هذا الترابط العضوي، فإن أي مشروع حقيقي يستهدف التحرير الشامل واستعادة السيادة على الأراضي المحتلة، وفي مقدمتها فلسطين، لا بد أن يمر عبر التفكيك الهيكلي لهذه القواعد العسكرية؛ إذ إن تراجع الوجود العسكري الأجنبي يمثل المتغير المستقل القادر على إحداث انزياح جذري في موازين القوى، وتجريد الاحتلال من ضماناته الدولية، مما يمهد الطريق موضوعياً لزواله الجغرافي والسياسي.
وفي هذا السياق التحليلي، يبرز مفهوم “الأمة” لا بوصفه مصطلحاً عرقياً أو جغرافياً ضيقاً، بل كتلة حضارية ووحدة مصيرية تتجاوز الحدود المصطنعة لتشكل “ذاتاً جماعية” ترفض التجزئة والاستلاب، وتجد في المقاومة خياراً وجودياً لانتزاع قرارها المستقل.
ومن هنا، يبرز معيار “وحدة النتائج المادية” أداةً وحيدة لقياس صدقية المواقف السياسية تجاه هذه الأمة وقضاياها الكبرى، بعيداً عن السرديات الإنشائية أو النوايا الذاتية؛ فحين تُوضع الأفعال في ميزان الفاعلية الاستراتيجية، يتضح أن أي طرف فاعل—سواء أكان نظاماً سياسياً أم كياناً مؤسسياً—يتخذ موقفاً معارضاً لمسار محور المقاومة والممانعة بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سعيها لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، إنما يساهم وظيفياً وبحكم الضرورة في تدعيم استمرارية المشروع الصهيوني، وتوفير المدى الزمني اللازم لتحقيق تطلعاته التوسعية التي تتبلور تحت مسميات “إسرائيل الكبرى”.
إن هذا التموضع، وبغض النظر عن بواعثه سواء أكانت ناتجة عن تقاطع مصالح نفعية أم قصور في الإدراك الاستراتيجي، يؤدي في المحصلة النهائية إلى نتيجة صفرية تصب في مصلحة تكريس واقع الاحتلال.
ومن هنا، تتلاشى فاعلية التصنيفات الهوياتية التقليدية لصالح “المعيار الجيوسياسي الواحد” الذي يحدد الموقع من صراع الإرادات؛ فالمواجهة الحالية تفرض فرزاً تاريخياً قاطعاً لا يقبل القسمة، يضع الفاعلين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في مشروع التحول البنيوي الذي يستهدف استئصال جذور الهيمنة الأجنبية كشرطٍ شارطٍ للتحرر، أو الاستمرار في لعب أدوار وظيفية تضمن بقاء منظومة التبعية.
إن التاريخ في مآلاته الكبرى لا يوثق الشعارات الجوفاء بل يسجل المخرجات المادية للمواقف، وهي لحظة حسم لا ترحم المراهنين على المناطق الرمادية؛ إذ إن المساهمة في بقاء القواعد الأمريكية في المنطقة تعني صراحةً، وبكل المقاييس الاستراتيجية، الشراكة الكاملة في استدامة الاحتلال وتأبيد التجزئة والارتهان.
