ماذا لو كان العام كلّه أزرق؟
صمود غزال
في اليوم العالمي للتوحّد، يتكرّر اللون الأزرق، وتتناثر قطع الـPuzzle في الحملات، وتعلو الكلمات الداعمة. ثم ينتهي اليوم، ويعود الأهل إلى معاركهم الصامتة وحدهم.
لكن ماذا لو لم يكن التوحّد مناسبة ليوم واحد؟ ماذا لو كان العام كلّه للتوحّد؟ ماذا لو تحرّكت قطع الـPuzzle فعلاً، لا كرمز، بل كخطّة حياة تُعاد صياغتها لتتسع للاختلاف؟
العالم لا ينتظر.
الأرقام تتقدّم أسرع من قدرتنا على المواجهة: من طفل واحد بين كلّ 127 طفلاً، إلى واحد بين كلّ 100، وصولاً إلى تقديرات تتحدّث اليوم عن حالة بين كلّ 50 طفلاً. وفي دراسة بريطانية امتدّت لعشرين عاماً، تضاعفت الحالات المُسجّلة ثماني مرات. هذا ليس مجرّد وعي يتزايد، بل واقع يتمدّد، فيما الاستجابة ما تزال أبطأ من هذا الاتساع.
الأرقام تتقدّم أسرع من قدرتنا على المواجهة: من طفل واحد بين كلّ 127 طفلاً، إلى واحد بين كلّ 100، وصولاً إلى تقديرات تتحدّث اليوم عن حالة بين كلّ 50 طفلاً
لكن المشكلة، بالنسبة إلى الأهل، ليست في الأرقام وحدها. المشكلة تبدأ حين يصبح التشخيص بداية نزيف طويل: جلسات علاج، مرافقة مدرسية، اختصاصيون، نطق، سلوك، علاج وظيفي، نقل، متابعة، قلق يومي، وانهيار مالي مؤجّل أو معلن.
عندها لا يعود السؤال: ما هو التوحّد؟ بل يصبح: لماذا تُترك الأسرة وحدها في قلب هذه المعركة؟ لماذا تتحوّل الحقوق الأساسية إلى خدمات خاصّة باهظة الكلفة؟ ولماذا يبدو الدمج، في كثير من الأحيان، شعاراً جميلاً على الورق، بينما المدرسة الفعلية ليست مجهّزة، والمعلّم غير مدرّب، والصف غير مرن، والدولة غائبة؟
هنا، يصبح الحديث عن الدمج اختباراً حقيقياً للعدالة. الدمج ليس أن نفتح باب المدرسة ثم نترك الطفل يصارع وحده. الدمج الحقيقي يعني أطراً تربوية مدرّبة، صفوفاً تراعي الفروق، اختصاصيين داخل النظام التعليمي، وخطط تعلّم مرنة، ومساحات آمنة، ومرافقة للأسر، وتمويلاً عاماً واضحاً.
الحرب لا تقصف الحجر فحسب، بل تقصف الروتين الذي يعيش عليه هؤلاء الأطفال، وتكسر الإيقاع الذي يطمئنهم
الدمج ليس مِنّة، بل حق. وليس عدلاً أن يبقى هذا الحقّ مُعلّقاً بقدرة الأهل على الدفع. فإذا كان المجتمع معنيّاً بالعدالة، فعليه أن يعترف بأنّ كلفة جلسات التوحّد لا يجوز أن تبقى عبئاً عائلياً خاصاً؛ هذه كلفة عامة، ويجب أن تتحمّلها الدولة، كما تتحمّل التعليم والصحة والبنى الأساسية.
في لبنان، تصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً. فالحرب لا تقصف الحجر فحسب، بل تقصف الروتين الذي يعيش عليه هؤلاء الأطفال، وتكسر الإيقاع الذي يطمئنهم. إذ تُغلق المراكز، تتوقّف الجلسات، ويتحوّل البيت إلى مساحة قلق دائم. هنا، لا يعود التوحّد ملفاً صحياً أو تربوياً فحسب، بل حالة طوارئ. نحتاج إلى خطّة واضحة، إلى اعتبار هؤلاء الأطفال أولوية. نحتاج إلى دعم مستمر، في الحرب كما في السلم.
نحتاج إلى الأزرق، لا لوناً للمناسبات، بل سياسة. لا شعاراً، بل التزاماً. في هذا اليوم، لا نريد تعاطفاً عابراً، بل اعترافاً، وعدالة، وتمويلاً، ودمجاً حقيقياً.
نريد ببساطة أن يكون العام كلّه للتوحّد.
