الحرب البرية لن تكون نزهة
التعليق السياسي – كتب ناصر قنديل
عاد الحديث في “إسرائيل” خلال الأيام الأخيرة عن احتمال إطلاق عملية برية واسعة في جنوب لبنان، ولم يعد الأمر مجرد تسريبات إعلامية أو تحليلات عسكرية، بل بات يظهر في تصريحات رسمية مباشرة. وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن أن الجيش تلقى تعليمات بتوسيع عملياته في لبنان، مضيفًا أن إسرائيل ستتحرك بنفسها إذا لم تمنع الدولة اللبنانية هجمات حزب الله. وفي الاتجاه نفسه قال رئيس الأركان إيال زامير إن العملية الجارية «لن تكون قصيرة»، وأن الجيش سيجلب «قوات وقدرات إضافية إلى الشمال». وقبل ذلك تحدث مسؤولون سياسيون ودبلوماسيون “إسرائيليون” عن أن نهاية الحرب الحقيقية لن تتحقق إلا عبر نزع سلاح حزب الله. هذه اللغة تعكس انتقال الخطاب الإسرائيلي من إطار الرد العسكري المحدود إلى مناخ تحضير مسرح العمليات لاحتمال مناورة برية أوسع إذا لم تحقق الضربات الجوية الهدف المعلن بإبعاد خطر الصواريخ عن الجليل مع الإعلان عن حشد 100 ألف جندي احتياط في الشمال وفرقتين محترفتين والوية نخبة مثل جولاني و جفعاتي.
التجربة القريبة للحرب تضع علامات استفهام جدية أمام فكرة الحسم البري السريع. ففي الحرب التي سبقت وقف إطلاق النار وخلال نحو ستين يومًا من القتال البري، حاول الجيش الإسرائيلي التقدم في عدة محاور داخل جنوب لبنان مستندًا إلى تفوقه الجوي والناري. لكن النتائج الميدانية بقيت محدودة. التقدم الإسرائيلي لم يتجاوز مئات الأمتارداخل الأراضي اللبنانية وعندما بلغ بضعة كيلومترات كان ذلك في مناطق مفتوحة خارج القرى والبلدات، فيما بقيت القرى الحدودية ساحة قتال مفتوحة تقوم على الكمائن والصواريخ المضادة للدروع والعبوات الناسفة. خلال تلك الفترة قُتل ثلاثة وسبعون “جنديًا إسرائيليًا” في الجبهة الشمالية والعمليات داخل جنوب لبنان، فجاء وقف إطلاق النار دون أن تحقق “إسرائيل” هدفها المعلن بإزالة تهديد الصواريخ عن الشمال، وهو ما ترك في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قناعة بأن المناورة البرية في جنوب لبنان هي عملية شديدة التعقيد والكلفة.
بعد وقف إطلاق النار نشأ ما يمكن وصفه بحالة خداع بصري عسكري. خلال خمسة عشر شهرًا من الضربات الجوية والعمليات الأمنية الإسرائيلية المتواصلة، ومع بقاء الطيران الإسرائيلي صاحب الهيمنة الكاملة في الأجواء اللبنانية، بدا المشهد وكأن حزب الله فقد القدرة على الرد أو أنه أصبح مردوعًا بالكامل. ومع كل ضربة “إسرائيلية” لا يتبعها رد واسع، كانت تتعزز داخل “إسرائيل” رواية تقول إن الحزب انتهى عمليًا كقوة عسكرية فعالة في الجنوب. بنيامين نتنياهو تحدث يوم إعلان وقف النار عن أن “إسرائيل” ستطبقه «بقبضة حديدية»، بينما قال وزير الدفاع إن إسرائيل إذا عادت إلى الحرب فإنها «ستذهب أعمق» داخل لبنان. وفي الخطاب الإسرائيلي ساد الانطباع بأن البنية العسكرية القريبة من الحدود قد تحطمت وأن التهديد الذي كان يطاول الجليل قد تم احتواؤه.
ساهمت الخسائر التي تكبدها حزب الله خلال الحرب وبعد وقف النار في تعزيز هذا الانطباع. لأن الحزب خسر عددًا كبيرًا من مقاتليه وقادته الميدانيين، وتعرضت أجزاء مهمة من بنيته العسكرية ومخازنه لضربات قاسية، كما استهدفت إسرائيل شخصيات قيادية بارزة واغتالت بعض كبار قادته على رأسهم أمينين عامين هما السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين. وتحدثت تقارير عديدة عن مقتل آلاف من مقاتليه خلال أربعة عشر شهرًا من الحرب، وعن تدمير جزء مهم من ترسانته الصاروخية، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بسلسلة الإمداد ومواقع الإطلاق. واستمرت الضربات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار، فاستهدفت عناصر وقادة ميدانيين في عمليات متفرقة داخل لبنان. كل ذلك جعل رواية الضعف تبدو في نظر كثيرين رواية واقعية، خصوصًا مع غياب ردود واسعة من الحزب طوال تلك الفترة، وفي ظل اشتداد الحصار عليه في الداخل اللبناني بذهاب الحكومة الى قرارات وإجراءات غير مسبوقة في علاقة السلطات المتعاقبة منذ اتفاق الطائف مع المقاومة التي قادها حزب الله.
منذ أيام بدأت تنقلب الصورة. فقد ظهرت مؤشرات واضحة على أن حزب الله أعاد تنظيم بنيته العسكرية وأعاد ملء جزء من مخزونه الصاروخي والمسيّر، وعلى الأرض ظهرت ملامح تجربة قتالية جديدة على الحدود، كان أبرزها ما جرى في منطقة الخيام قبل أيام. هناك عاد القتال البري المحدود بين وحدات صغيرة من الحزب وقوات إسرائيلية تحاول التقدم أو تثبيت مواقعها. استخدمت وحدات الحزب تكتيكات حرب العصابات المعهودة: مجموعات صغيرة، تقليل الاتصالات الإلكترونية، استخدام الصواريخ المضادة للدروع والكمائن القريبة. أعلنت إسرائيل إصابة جنود لها بنيران مضادة للدروع ثم أعلنت لاحقًا مقتل جنديين في جنوب لبنان، وهما أول قتيلين إسرائيليين في هذه الجولة من القتال.
وبعدها بقليل أطلق الحزب واحدة من أكبر رشقات الصواريخ في الحرب الحالية، إذ أعلنت إسرائيل أن نحو مئتي صاروخ وعشرين طائرة مسيّرة أُطلقت في هجوم واحد وبالتزامن مع الضربات الإيرانية.
هذه الوقائع الجديدة دفعت بعض التقييمات الإسرائيلية إلى مراجعة الصورة السابقة. فقد نقلت وسائل إعلام عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن حزب الله لا يظهر أي مؤشر على التراجع أو خفض التصعيد، بل يبدو أنه نجح في إعادة تنظيم صفوفه والحفاظ على القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه رغم اغتيال عدد من كبار قادته. هذا التقييم يعكس إدراكًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن صورة الحزب المنهار التي سادت بعد وقف إطلاق النار كانت مبالغًا فيها، وأن القدرة العملياتية الأساسية للحزب لم تختف كما كان يعتقد.
تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على معادلة أكثر تعقيدًا. إسرائيل ما زالت تملك تفوقًا جويًا وناريًا كبيرًا يسمح لها بتوسيع الحرب أو الذهاب إلى عملية برية إذا قررت ذلك. لكن التجربة الأخيرة تشير إلى أن أي توغل بري واسع لن يكون عملية سهلة أو سريعة، بل سيصطدم منذ لحظاته الأولى بواقع قتال حدودي قائم على الكمائن والصواريخ المضادة للدروع وإبقاء الجبهة الشمالية تحت ضغط الصواريخ والمسيّرات. لذلك تبدو إسرائيل اليوم وكأنها تعيد حساباتها بين خيار التهديد بعملية برية كبيرة وبين إدراك أن الدخول في حرب برية مفتوحة في جنوب لبنان قد يعيد إنتاج حرب استنزاف طويلة ومكلفة، وهي النتيجة التي حاولت تفاديها في الجولة السابقة من الحرب.
بينما تلقي الحكومة الخطابات وتتباهى بقرار الحرب والسلم الذي تحتكره إسرائيل، هناك في الجنوب من يعيد صياغة معادلات القوة مع الاحتلال بصمت.
