حرب المصالح في الخليج: بين استهداف القواعد الأمريكية ومخاطر انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة…
فاتنة علي_لبنان
يُتداول عنوان مضلل مفاده أن إيران تقصف دول الخليج، وهو عنوان يحمل في طياته كثيراً من الضلال والتبسيط المخلّ للواقع. لذلك سأبدأ بقراءة المشهد الحالي، وتحديداً العلاقة المتشابكة بين الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج والكيان الصهيوني.
وللتوضيح، فإن إيران تتعرض لعدوان وهي دولة ذات سيادة، وعلى عداء معلن مع الولايات المتحدة حتى قبل الكيان. فعندما سُئل السيد علي خامنئي – قدس سره – عن عدوه الأول، أجاب بأن الولايات المتحدة هي العدو الأول. ومنذ ذلك الحين عملت الأخيرة على محاصرة إيران، ليس عبر الاقتصاد وفرض العقوبات المتزايدة فحسب، بل أيضاً عبر الانتشار العسكري في المنطقة. فقد أنشأت قواعد عسكرية لها في دول الخليج، ولم تقتصر هذه القواعد على تلك الدول فقط، بل امتدت إلى الأردن والعراق، وحديثاً إلى سوريا. والهدف من ذلك ليس محاصرة إيران فحسب، بل أيضاً حماية الكيان الصهيوني وضمان أمنه، وكأن هذه القواعد تشكل سوراً أو حصناً يحيط به.
وبما أن الولايات المتحدة هي العدو الأول لإيران، فمن الطبيعي عندما تدخل إيران هذه الحرب – أو تُفرض عليها الحرب بمعنى أدق – أن تلجأ إلى حماية نفسها والدفاع عن وجودها وسيادتها كدولة إقليمية مستقلة. وقد تجلى هذا الدفاع في استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وعلى رأسها القواعد العسكرية الموجودة في دول الخليج وغيرها. إن لجوء إيران إلى هذه المنهجية الحربية الحالية يُعد، من وجهة نظرها، حقاً طبيعياً؛ فهي تُقصف من هذه القواعد، في حين تفصل بينها وبين الولايات المتحدة مسافات جغرافية شاسعة، ولم تعمل إيران على إنشاء قواعد تحيط بأمريكا، بل كان كل ما قامت به في الفترة الماضية هو محاولة ردّ الشر عنها وعن فلسطين، التي تعتبرها من أولوياتها.
ومن ثم ننتقل إلى النقطة الأهم، وهي موقف البنتاغون الذي حذّر دونالد ترامب أو وضعه أمام خيارين: إما إنهاء هذه الحرب أو القضاء على النظام الإيراني، كما صرّح ترامب وإدارته. وبما أن هذين الخيارين غير متوفرين حالياً، فلا هو قادر على إنهاء الحرب، ولا هو قادر على الاستمرار بها لفترة طويلة.
أما عدم قدرته على الاستمرار في هذه الحرب فيعود إلى أسباب عديدة، على رأسها ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً. أما السبب الثاني فيتمثل في تسريبات إعلامية تحدثت عن أن إدارة ترامب والكيان باتا يعانيان من أزمة في الأنظمة الدفاعية، بل إن بعض التقارير والمعلومات المتداولة ذهبت إلى أن إدارة ترامب بدأت تستخدم الاحتياطي الموجود لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ومن خلال ما ذُكر أعلاه يمكن فهم تصريحات السيناتور جراهام الأخيرة، حين قال إنه يجب على حلفاء أمريكا في المنطقة القتال معها، تلتها تصريحات وزير الحرب الأمريكي الذي قال بدوره إن على الدول الحليفة لأمريكا في المنطقة ألا تقلق، فهناك من السلاح ما يفوق الحاجة. وعند قراءة التصريحين معاً وتفكيكهما، يظهر أن المرحلة قد انتقلت من دفع الجزية إلى المطالبة بالقتال. فالولايات المتحدة التي كانت تموّل جزءاً كبيراً من حروبها عبر المال الخليجي، أصبحت اليوم تطالب دول الخليج بالدخول المباشر في المعركة، إذ لم يعد المال وحده كافياً. وهذه الخطة، إن حدثت، قد تشكل نافذة إنقاذ للكيان ومن خلفه الولايات المتحدة. أما إذا كانت تصريحات وزير الحرب الأمريكي صادقة، فلماذا لا تستخدم الولايات المتحدة كامل هذا السلاح بنفسها؟ ولماذا تنوي الزج بدول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران؟
ماذا عن مخاطر دخول دول الخليج في الحرب وتداعياتها الإقليمية ؟؟
يبقى السؤال الأهم: هل سيكون دخول دول الخليج في هذه الحرب خياراً صائباً؟
إن الإجابة ليست سهلة، بل تحتاج إلى كثير من التدقيق في قراءة المشهد. فإذا دخلت هذه الدول في الحرب فإنها تضع نفسها في مواجهة القضية الفلسطينية بشكل مباشر. فإيران تؤكد مراراً أن حربها موجهة ضد الولايات المتحدة وليست ضد دول الخليج، لكن الصورة تُعكس في الإعلام على أنها حرب ضد الجميع، والمراد من ذلك مساواة إيران بالكيان.
لكن هل تعي هذه الدول، وشعوبها تحديداً، معنى أدب الجوار؟ فالولايات المتحدة بعيدة جغرافياً عن المنطقة، أما إيران فهي الجار المباشر أو الملاصق لدول الخليج. وبالتالي، إذا رحلت الولايات المتحدة من المنطقة في يوم من الأيام، فإن هذه الدول ستكون قد ضمنت خصومة – على الأقل – مع دولة مجاورة لها.
كما أن دول الخليج في السنوات الأخيرة لا تمتلك صادرات قوية خارج إطار النفط، إذ يقوم نظامها الاقتصادي بشكل أساسي على هذه الثروة. وبالتالي، كيف ستتنفس هذه الدول إذا أُغلِق مضيق هرمز وباب المندب معاً ولفترات طويلة؟ ومن أين ستأتي مصادر الحياة الاقتصادية؟
وإذا دخلت هذه الدول الحرب فستُعد شريكة لعدو إيران الأول، ما يعني أن كامل الأراضي الخليجية قد تصبح أهدافاً مشروعة للرد الإيراني، ولن يقتصر الأمر على القواعد الأمريكية أو الفنادق التي يلجأ إليها الجنود الأمريكيون. فالسيناريو الأخطر لا يتمثل فقط في قصف مصافي النفط والآبار، بل في استهداف محطات تحلية المياه. فالخليج يعاني أساساً من نقص في المياه العذبة ويعتمد بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر. وإذا كانت إيران قد تعرضت سابقاً لقصف إحدى هذه المحطات، فإن دخول الخليج الحرب بشكل مباشر قد يفتح الباب أمام رد مماثل، مما يجعل المنطقة أمام خطر أكبر من مجرد استهداف النفط.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل يستطيع المجتمع الخليجي تحمّل فكرة النزوح الداخلي أو انقطاع الكهرباء لفترات طويلة، بعد سنوات من الاستقرار والرفاه الاقتصادي؟ وهل يمكنه الصمود أمام حرب طويلة؟ في المقابل، فإن دول بلاد الشام وإيران نفسها عاشت فترات طويلة من الحروب والأزمات الاقتصادية والمعيشية، ما أكسبها نوعاً من المناعة أو القدرة على التكيف مع الظروف القاسية.
لا أحد يعلم ما الذي قد تخبئه الأيام القليلة المقبلة، لكن المؤكد أن دخول أي دولة في هذه الحرب سيكون له ثمن كبير، وربما يمتد لسنوات طويلة. فرغم الضربات القوية التي تعرضت لها إيران من قبل الكيان، إلا أنها ترد بضربات أشد حساسية، وهو ما يتكتم عليه الكيان إلى حد كبير. كما أن الولايات المتحدة تجد نفسها محشورة في زاوية الأزمة، في ظل أزمات داخلية متزايدة لدى مختلف الأطراف.
إنها معركة عضّ الأصابع؛ من يتألم أولاً سيكون الخاسر الأكبر. أما بلاد الفرس، أو ما يُسمى بالعجم، فلطالما عُرفت بسياسة الصبر الطويل، سواء كان صبراً استراتيجياً أم اقتصادياً. والجدير بالذكر أن هذا التصعيد وهذه التصريحات جاءت في التوقيت نفسه الذي استقبلت فيه إيران قائد ثورتها الثالث السيد مجتبى علي خامنئي، مع تصريحات من قادة ومسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى تحدثت عن أسر جنود أمريكيين وسقوط قتلى في صفوفهم.
في حروب النفوذ لا تُقاس النتائج بحجم الضربات فقط، بل بقدرة الأطراف على الصبر وتحمل الألم؛ ومن يصرخ أولاً في معركة عضّ الأصابع هو من يكتب خسارته بيده.
