ستون يوماً أخرى لـ «أولي البأس»
ناصر قنديل

– ستون يوماً هي المدّة التي يتيحها الدستور الأميركي للرئيس دونالد ترامب لمواصلة حربه على إيران طالما أنه اختار تسمية الحرب بمواجهة تهديد طارئ تفادياً لطلب الحصول على موافقة الكونغرس لشنّ حرب، وفي نهاية الستين يوماً عليه أن يعود للكونغرس إذا أراد مواصلة الحرب أو استخدام فرصة ثلاثين يوماً لسحب القوات. وهذه الأيام هي ساعة رمل لمسارين على ترامب وحليفه في الحرب بنيامين نتنياهو إقامة حساباتها جيداً، على مسارين، الأول هو تفادي نفاد مخزون صواريخ الدفاع الجوي التي يتقن الإيرانيون استنزافها، قبل أن تنجح الحملة الحربية بتدمير قدرات إيران الصاروخية لتفادي مواجهة خطر إطلاق صواريخ نوعية وبكمية كافية بينما لا يكون قد بقي لأميركا و”إسرائيل” ما يكفي لتكوين مظلة حماية صاروخية، والثاني هو تفادي انعكاس الحرب بكل تداعياتها وتفاصيلها على الاقتصاد العالمي بانهيارات تخرج عن السيطرة، خصوصاً ما يتصل بسوق الطاقة وعلاقته بمضيق هرمز وإنتاج دول الخليج من الغاز والنفط، وكيفية تفاعل أسعار النفط والغاز مع هذه التداعيات، بحيث يجب على ترامب النجاح ببلوغ مهلة الستين يوماً والأسعار ترتفع لكن بما لا يهدّد الاستقرار، والمعادلة السعرية التي تعمل عليها إدارة الرئيس ترامب هي عدم تجاوز سعر برميل النفط أو كلفة الميغاواط المنتج بالغاز في أوروبا رقم الـ 100 دولار.

– يشكّ الخبراء كثيراً في نجاح ترامب بتفادي الوقوع في العتبة الحرجة في مخزون صواريخ الدفاع الجوي قبل الستين يوماً، بينما تبدو إيران قادرة على مواصلة إطلاق معدل 100 صاروخ و100 طائرة مسيرة يومياً موزّعة على جبهات القتال، وهذا كافٍ لبلوغ العتبة الحرجة في صواريخ الدفاع الجوي بعد دخول اليوم الثلاثين من الحرب، ويبدو بالمقابل أن رقم الـ 100 دولار لبرميل النفط والـ 150 دولاراً أيضاً ضمن توقعات الأسبوع الثالث للحرب رغم كل التعهدات التي يتحدث عنها ترامب لضمان عبور الناقلات وتخفيف أعباء التأمين، ويبدو رقم الـ 100 دولار لتكلفة الميجاوات المنتج بالغاز في أوروبا على مسافة أيام من التحقق، وهذا يعني حتمية بدء خروج الوضعين العسكري والاقتصادي عن السيطرة قبل انتهاء مهلة الستين يوماً، ويكون على ترامب مواجهة ساعة الحقيقة.

– في هذه الحرب وجدت المقاومة في لبنان فرصتها للعودة إلى الميدان، بعدما أثبتت صدق التزامها باتفاق وقف إطلاق النار وتسليم الإمرة في ساحة المواجهة والإشراف على تنفيذ الاتفاق من الجانب اللبناني للحكومة، وكان عليها لتحقيق ذلك أن تنسحب من جنوب الليطاني قبل أن ينسحب جيش الاحتلال إلى وراء الخط الأزرق، رغم أن القرار 1701 أعطاها الحق بتأجيل انسحابها إلى ما بعد الانسحاب الإسرائيلي، لكنها قبلت العكس وفعلت ونفذت والتزمت، إضافة للامتناع عن الردّ لستة عشر شهراً على آلاف الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية، تمّ خلالها في ظل وقف اطلاق النار توسع سيطرة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، وإلحاق دمار هائل بالقرى والبلدات الجنوبية بما يعادل 85% من إجمالي الدمار الذي لحق بالجنوب خلال الحرب وفقاً لإحصاءات الجيش اللبناني، بينما سقط أكثر من 500 شهيد وآلاف الجرحى وتم تهجير الآلاف عن بيوتهم، وفي ظل التزام المقاومة بعدم الردّ، فشلت الحكومة في توظيف هذا الالتزام للحصول على التزام إسرائيلي مقابل بالطرق الدبلوماسية التي رفعتها إلى مستوى الخيار الاستراتيجي، وقد رفضت الحكومة مراراً اقتراحات قيادة الجيش بالرد على الاعتداءات أو تعليق تنفيذ الالتزامات اللبنانية بالاتفاق حتى تبدأ إسرائيل بفعل ذلك، ولم يثبت أن الرهان على العلاقة مع واشنطن يفيد لبنان بشيء لا في ترجمة واشنطن لالتزامها كراعٍ وضامن لاتفاق وقف إطلاق النار، ولا بلجم التغوّل الإسرائيلي لتحديد أهداف تتضمن نسف الاتفاق والقرار 1701 والخروج من اتفاق الهدنة والمطالبة بالسيطرة على جزء هام من الجغرافيا اللبنانية إضافة لفرض السيطرة على الأجواء اللبنانيّة.

– عادت المقاومة إلى الميدان وقالت كلمتها القوية بصورة مدوّية أثارت ذهول العدو والصديق، حيث لم يكد الاحتلال يعلن رداً على عودة المقاومة عبر إطلاق صواريخها التحذيرية، عن بدء حملة برية وجوية، حتى أظهرت المقاومة قدرة على إطلاق قرابة مئة صاروخ وطائرة مسيّرة على عدة وجبات، ثم كانت المفاجأة الكبرى في الحضور البري المميّز بتدمير خمس دبابات ميركافا في مواقع ترتبط بالتوغل الإسرائيلي في بلدة كفركلا الواقعة على خط الحدود مباشرة، وبدت المقاومة قادرة على استعادة أشدّ بأساً من أيام أولي البأس التي امتدت لستين يوماً بالمصادفة أيضاً.

– ستون يوماً يخشاها الأميركي والإسرائيلي، وستون يوماً تعمل إيران على كتابة حكاية الصمود والنصر فيها، بينما تشتاق إليها المقاومة في لبنان لإعادة كتابة ما سبق وسطره “أولو البأس” في قتالهم الأسطوري حتى فرض وقف إطلاق النار، وفي نهاية الأيام الستين سوف يكون وقف إطلاق النار بحاجة إلى اتفاق، وسوف يتم في الاتفاق الجديد تصحيح ما قالت التجربة إنه يحتاج إلى تصحيح، هي في كل الأحوال ستون يوماً.. فلننتظر!