أصدرت مجموعة من الكتاب والمثقفين بياناً حمل عنوان:
«بيان من أجل ميثاق ثوري للتحرّر الشامل
نقد الكمبرادورية المعرفية
ورفض الاستسلام كاستراتيجية “نضالية” لليوم التالي»
ردّت فيه على مَن سمّتهم «مثقفين وظيفيين وتابعين استبدلوا خنادق المقاومة بصالونات الليبرالية والليبرالية الجديدة»، و«فئة من المثقفين اختارت التركيز على تعميم مقاربات هدفها الأساسي تطويع إمكاناتها المعرفية لصياغة مفاهيم مهذبة ظاهرياً وتتوافق مع الذوق الرسمي الغربي، لكنها تنطوي في جوهرها على تمرير وتعميم نسقٍ استسلامي انهزامي مُهادن، يريدونه نموذجاً لليوم التالي»…
وقّعه عن المجموعة: سيف دعنا، غسان أبو ستة، صبيح صبيح، وسام الفقعاوي، صلاح الحموري
وفي ما يلي النص الكامل للبيان:
بينما كانت الرصاصات الأولى لحركات التحرر في الجنوب العالمي تصيغ أبجدية ولغة وجودية جديدة، وتعيد عبرها قراءة وكتابة، وحتى إعادة تخيل واستشراف، سيرورة التاريخ الإنساني من منظور وخندق الشعوب المستعمَرة، كان بعض قادتها الاستثنائيين، مثل أميلكار كابرال، يضعون أيديهم على العامل الأكثر خطورة في بنية الثورات الشعبية وحركات التحرر، على التصدع الأيديولوجي الأخطر الذي قد يقود إلى هزيمتها: معضلة النخبة المتعلمة والمثقفين.
وفي هذه الأيام، وفي السياق الفلسطيني والعربي الراهن الذي تختلط فيه إبادة متوحشة وغير مسبوقة في التاريخ الحديث بخذلان وصمت عربي شعبي مخزٍ، وحتى تواطؤ، وأحياناً مشاركة مباشرة، من بعض الأنظمة العربية والإسلامية، يتحمل المثقفون دوراً رئيسياً في الوصول إليها وحتى تبريرها أحياناً، يعيد التاريخ إنتاج هذه الأزمة وبشكل غير مسبوق، عبر هيمنة نمط من المثقفين الوظيفيين على المشهد الثقافي العربي. مثقفين وظيفيين وتابعين استبدلوا خنادق المقاومة بصالونات الليبرالية والليبرالية الجديدة، واختاروا الهرب من استحقاقات النضال العضوي والتحام المصير مع الجماهير واستبداله بتمرينات أكاديمية في المحاكاة، وحتى التماثل، أحياناً بشكل مطلق، مع المركز الاستعماري.
فقيام المثقف العربي عامة، والفلسطيني على وجه الخصوص، بالدور الوطني والقومي التاريخي المنوط به، يقتضي بالضرورة حتمية الالتحام العضوي بالجماهير الشعبية، بوصفها الحاضنة الوجودية للفعل الثوري والمقاوم، وبوصفها المآل الأخير للمقاومة الأصيلة. لهذا، فإن دور المثقف يتجلى أساساً في العمل الجدي على تأطير الطاقات الكامنة والذخائر المعنوية الهائلة لدى هذه الجماهير والتركيز عليها، خصوصاً تلك التي تجسّدت مؤخراً، أثناء حروب الإبادة، في نماذج ملحمية وبطولية مذهلة كشفت عن قدرة استثنائية تقارب المعجزة على الصمود، والعطاء والتضحية لم نعرف لها له مثيلاً في سجلات الإنسانية في التاريخ المعاصر.
بيد أنّ فئةً من المثقفين اختارت التركيز على تعميم مقاربات هدفها الأساسي تطويع إمكاناتها المعرفية لصياغة مفاهيم مهذبة ظاهرياً وتتوافق مع الذوق الرسمي الغربي، لكنها تنطوي في جوهرها على تمرير وتعميم نسقٍ استسلامي انهزامي مُهادن، يريدونه نموذجاً لليوم التالي. فبدلاً من الدعوة الصريحة والمباشرة لنزع سلاح المقاومة، عمد البعض إلى اجتراح اصطلاحاتٍ من قبيل «تنظيم السلاح» للالتفاف على شرعية الكفاح. فصاحب هذا المصطلح يَجْهَدُ أساساً لنزع الصفة النضالية عن سلاح المقاومة وتحويله من أداة تحرر وطني أساسية، بل الأداة الأساسية، إلى مجرد مشكلة إجرائية، وربما حتى خلل أمنى يحتاج إلى ضبط إداري.
وهذا ليس أكثر من إعادة إنتاج لخطاب سلطة أوسلو عن «الفلتان الأمني» كتوصيف لأي سلاح لا يستخدم لإسناد مشاريع المركز الإمبريالي والمستوطنة الصهيونية. فهذا الطرح، سواء عرف من يُنَظِّر له أم لم يعرف (ونظن أن أغلبهم يعتقدون أنهم اخترعوا العجلة)، يسعى إلى نقل السلاح من فضاء المقاومة الشعبية، التي يصعب التحكم بها، إلى فضاء المؤسسة البيروقراطية الخاضعة للالتزامات الدولية والضغوط الخارجية، مما يؤدي في النهاية إلى تدجين هذا السلاح والقضاء على المقاومة، تماماً كسلاح السلطة المنظم الذي تحول من سلاح للمقاومة إلى سلاح يستخدم لقمع المقاومة بعد تنظيمه في ظروف استسلاميه مشابهة.
لكن يبقى مثل هذا الطرح، على خطورته ووقاحته، مجرد جزء من استراتيجية أكبر لا يبدو أن من عُهِدَ له بالتنظير «لتنظيم السلاح» يدرك الصورة الكبرى المتمثلة بمنظور استراتيجي كامل بديل للمقاومة.
فعندما يطرح مثقف آخر حركات التضامن العالمي كبديل كلي، بحجة طبيعة المرحلة التي استنتج لوحده أنه لا مكان فيها للمقاومة التي قاموا حتى بنعيها وبأثر رجعي، فإنه لا يفعل أكثر من ممارسة وتعميم نوع مكشوف أيضاً من الاغتراب السياسي، يتمثل أساساً بقلب المعادلة وقلب الأدوار.

فلا يحتاج أي مثقف من هذا النوع، من الذين يصنف وفق علم اجتماع المثقفين كـ«عراف» (يتحدث باسم جماعة من اختراعه ولا وجود لها إلا في خياله) الكثير من الجهد ليدرك أن المقاومة الميدانية هي دائماً وأبداً الأصل والفعل الأول، الكفيل بخلق التأثير، بينما التضامن هو مجرد رد الفعل الأخلاقي الناتج عنه. مزيداً من المقاومة، مزيداً من التضامن، هذه هي القاعدة الصحيحة. أما استبدال الأول بالثاني كلياً فلا يعني فقط تجريد الشعب المستعمَر من أي أدوات تمنحه الفاعلية وتحويله إلى مجرد ضحية سلبية تذبح في انتظار الضمير العالمي الذي لن يأتي كما حصل فعلاً لعامين، حتى لا نقول ثمانين عاماً، بل ويجعل من وضعه في قلب الاستراتيجية الجديدة استهزاء بالعقول وسخرية من الدماء.
فإحلال حركات التضامن العالمي، على أهميتها، كبديلٍ كلي للمقاومة الميدانية، وضمن مساراتٍ مُصطنعة توائم رؤيتهم للمرحلة الجديدة واليوم التالي، وهي مرحلةٌ أسست معالمها لتتساوق مع استراتيجيات التخلي والارتداد، مُقَنَّعة بلغة أكاديمية ومفاهيم مركبة، اعتقاداً منهم أنّ الرطانة اللغوية قادرة على تزييف الوعي الجمعي أو تضليل الإرادة الشعبية.
لكن هذا التوجه، في جوهره، غير معني أصلاً بالتضامن العالمي، بل هو جزء من الارتهان لأنظمة التبعية والمنظومات الليبرالية التي تعمل على حصر الفعل الفلسطيني والعربي المقاوم ضمن السقوف والأساليب والأدوات التي يقبلها الغرب والكيان الصهيوني، أو يستطيع التعايش معها، مما يفرغ القضية من عمقها التحرري ويحولها إلى مجرد قضية حقوق إنسان قابلة للمساومة في الأروقة الديبلوماسية، ويبدو بوضوح أن طرح مشروع الارتهان الكلي للتضامن العالمي هو مجرد صياغة أكثر تعقيداً لأطروحة نزع السلاح عبر الدعوة لتنظيمه.
إن هذه الأطروحات القائمة على رفض، والتقويض الجذري، لمبدأ المقاومة، ليست جديدة في المشهد السياسي العربي، إذ تتبناها وتُروّج لها منذ زمن بعيد بعض الأنظمة العربية الوظيفية التابعة، حتى أن بعضها ذهب إلى أبعد من ذلك عبر إدراج قوى المقاومة الفلسطينية والعربية ضمن قوائم «الإرهاب»، غير أن المتغيّر الجديد يتمثل في محاولة بعض هذه الأصوات استغلال ظروف جريمة الإبادة البشعة والظروف الإنسانية القاسية التي يكابدها أهلنا في قطاع غزة، كمبرر ورافعة للتنظير لهذه الخيارات، المؤسسة زوراً على فكرة أن المواجهة الراهنة هي المواجهة النهائية والختامية، وأن هذا الصراع التاريخي قد حسم، ما يفرض على شعبنا وأمتنا التصرف وفق منطق الإقرار بالهزيمة المطلقة وفق الشروط والإملاءات الصهيونية والغربية.
المفارقة أن هذه الرؤى التي نعت فكرة المقاومة واستنتجت ضرورة القبول بشروط الهزيمة لا تنبثق من عمق المعاناة في غزة، ولا تصدر عن القوى المنظمة والشعبية التي قدمت تضحياتٍ هائلة في سبيل القضية الوطنية، بل هي رؤى نخبٍ ثقافية اجترحت استنتاجاتٍ تتماهى مع الأجندات الوظيفية للأنظمة العربية المعادية لنهج المقاومة، فهذه الأنظمة، وعبر هذه النخب، تتوهم أن الكارثة الإنسانية الراهنة تشكل لحظة مؤاتية لتمرير مشاريع التصفية السياسية.
إن مقتضيات الوفاء للتضحيات الكبيرة واحترام الدماء التي سالت من أجل الدفاع عن القضية الوطنية، تستوجب تمسكاً أكبر بالمشروع الوطني وبثوابت المقاومة، وليس العكس. فالدور المنوط بالمثقف الملتزم في هذه اللحظة التاريخية يكمن أساساً في تحصين الوعي الجمعي ضد الانكسار وتعزيز آليات الصمود الشعبي ضد من يحاول كسر الإرادة الشعبية. وبغض النظر عن المآلات السياسية التي قد تنتهي إليها القوى الفاعلة والمؤثرة، فإن الكيان الصهيوني ماضٍ في استراتيجية الحسم النهائي للصراع، مستنداً إلى مراهنته على اِنهاك المقاومة والحاضنة الشعبية، ومن ثمَّ، فإن أي ترويج لهذه الأطروحات لا يُعدُّ خروجاً عن السياق الوطني فحسب، بل يمثل إسناداً أيديولوجياً لهذه الاستراتيجية، في لحظةٍ تستوجب أقصى درجات الثبات السياسي والثقافي.
بيدَ أنَّ مكمن الصدمة المعرفية فيما تتبعناهُ من أدبياتٍ ومؤتمرات ونشريات، يتبدّى في ذلك القصور الفاضح (والفضيحة) في إدراك حقيقة الصراع العربي-الصهيوني وطبيعة الكيان الاستعمارية الاستيطانية، والإبادية، وترابط كل ذلك بالأنظمة الرسمية العربية، وما رافق ذلك من توظيفٍ اعتباطي للمصطلحات والمفاهيم الأساسية يبعثُ على الرثاء. ومع أنَّ هذا التسطيح لا يغير من جوهر المشهد الكلي شيئاً، إذ إن المرحلة الجديدة التي يُنظّر لها هؤلاء ليست نتاج حتميةٍ تاريخية، بل هي بناءٌ أيديولوجي قسري يهدف لإعادة إنتاج التطلعات الوطنية وفق متطلبات مصالح القوى التابعة والمهيمنة، عبر إعادة صياغة الوعي الجمعي بلغةٍ تدعي المعرفة والثقافة لكنها تخلو تماماً من أي انحيازٍ وجودي للحقوق التاريخية، إلا أنَّ ركاكة الطرح وضآلة الحصيلة المعرفية لا تؤشران إلى سطحيةٍ إدراكيّة فحسب، بل تعكسان ارتباطاً عضوياً بين الانحطاط الثقافي وتردّي المشروع السياسي.

فهذا المشروع السياسي لليوم التالي، بطبيعته المأزومة، يقتضي بالضرورة خطاباً مشوهاً قائماً على التزييف المتعمد للمفاهيم ذات الدلالات الوجودية العميقة، واختزالها في سياقاتٍ إنشائية عابرة، فتردي الغايات السياسية يستتبعُ حتماً انحداراً في الأدوات الثقافية والمعايير الفكرية، والتلازم بين الانحطاط السياسي والضحالة المعرفية، في الحالة الثقافية العربية الراهنة ليس جديداً، أو مقتصراً على أمتنا، فأغلب التجارب السابقة لحركات التحرر في الجنوب العالمي عرفت هذه الظاهرة في لحظات أزماتها.
إنَّ حالة التهافت المعرفي التي وُظِّفت من خلالها أطروحات علم الاستعمار المقارن وعلم الإبادة المقارن، كالفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني، والإبادة، وغيرها، وإخضاعها لعمليات تشويه وليّ عنق دلالية لتتساوق مع مشاريع سياسية مناهضة لفلسفة المقاومة، مثيرة للدهشة والشفقة. ولهذا، تصبح استعادة الضبط المفاهيمي ضرورةً حتميةً لمواجهة هذا الاجترار العشوائي للمصطلحات.
فما عايناهُ من طروحات ومنشورات لا يدعو فقط للأسى على الحال الثقافي العربي فحسب، بل يكشفُ مفارقةً جوهرية، فبينما كان البعض يظنُّ أنه يكتبُ «مرثية»، أو «نعياً» للمقاومة، تمهيداً وتأسيساً ضرورياً لترتيبات اليوم التالي وفق الإرادة الصهيونية، الأميركية، والرسمية العربية التابعة، كان في واقع الأمر، بوعيٍ أو بجهل، يكتبُ مرثية ونعي للمثقف العربي الذي صاغها ولتياره الفكري المتخندق خلفها، وصكّ نعيٍ للثقافة العربية في لحظة انكسارها وخضوعها لمتطلبات القوى المهيمنة.
فمقولة «الفصل العنصري»، مثلاً لا حصراً، التي يتكرر استحضارها عند بعض المثقفين والسياسيين الفلسطينيين، الذين يبدو استيعابهم للمصطلح سطحياً في أحسن الأحوال، ليس بالمفهوم المستحدث، فقد سبقهم إلى هذا التوصيف عدد من المهتمين، بمن فيهم حتى رئيس أميركي سابق. وبرغم أهمية هذا الوصف كأداة تشخيصية، إلا أنه يظل في جوهره توصيفاً قاصراً، جزئياً، ومضللاً، يتحفظ على استخدامه الباحثون الجادون في حقل الدراسات الاستعمارية المقارنة كتعريف جامع وشمولي، كونه ليس كذلك، ففيما اتسمت جلّ النماذج الاستعمارية الاستيطانية بالفصل العنصري، إلا أنها لم تتميز بالضرورة بمنطق الإبادة الجماعية الذي يُعدّ بإجماع الخبراء السمة الجوهرية والمميزة بنيوياً للمشروع الاستيطاني الصهيوني.
فالمعضلة الوجودية للصهيونية الاستيطانية لا تكمن في كونها نظاماً للفصل العنصري، رغم تجسيدها له، بل في كونها، في المقام الأول، نظاماً إبادياً بنيوياً، وهي بذلك لا تشكل استنساخاً، أو حتى استنساخاً موسعاً لتجربة جنوب إفريقيا، كما يروج البعض عن غير دراية. فمن المعروف أن أنظمة الفصل العنصري كانت موجودة في أميركا الشمالية وأستراليا أيضاً، وليس في جنوب إفريقيا فقط، ولكن ما ميز هذه التجارب، وغيرها، أنها كانت مقرونة أيضاً بآليات الإبادة البنيوية (كما كتبنا في بياناتنا السابقة)، هذا يعني ببساطة أنها لا تنتمي إلى نفس النمط/النوع الاستعماري الاستيطاني.
بناءً عليه، فإنّ الإصرار على اختزال الصراع الوجودي في بُعد الفصل العنصري فقط، على الرغم من وفرة الدراسات المتاحة لخبراء الدراسات الاستعمارية المقارنة، وحتى بعض هيئات حقوق الإنسان، ليس إلا جهلاً، حتى لا نقول إنه إغفال غير مقصود، ومن أخطر تداعيات هذا التصور المغلوط أنه يُفضي إلى تبني مقاربات وحلول وهمية وغير واقعية، مستقاة من سياقات تاريخية مغايرة ولا تتقاطع مع الطبيعة الإبادية للنظام الاستيطاني الصهيوني، تماماً مثل المشاريع التي يتم يتداولها راهناً، ما يجعل فكرة التسويق لمقولة الفصل العنصري أكثر من مجرد عدم دراية.
فعملية استحضار التجربة في جنوب إفريقيا ليست بريئة كونها تستحضر نموذجاً بعد تشويهه عبر اجتزاء قراءة المُسبب والاكتفاء بالترويج للنتيجة وطريقة الحل وبالتالي تقديمه كالنموذج الأوحد للنجاح والحل. فمن جهة، يعمل هذا الاستحضار المشوه على إخفاء ثلاثة قرون من الاستعمار، التي هي أصلاً المُسبب الذي أوصل إلى الفصل العنصري في المحصلة، وبالتالي الاكتفاء بالنتيجة بعد إخفاء المُسبب، وهذا من جهة أخرى، تطبيع وجود الاستعمار طويل الأمد والتعامل معه كواقع لا يستوجب أي حل، وبالتالي القفز ليس فقط إلى فكرة التغني بـ«الحل السحري» لنتيجته، أي الأبارتهايد، وإنما وهذا الأهم شرعنة طريقة هذا الحل كفعل وحيد، بل الفعل الوحيد والأنجع، ألا وهو موضوع التضامن والفعل القانوني والمقاطعة على المستوى الدولي، كما حصل في جنوب إفريقيا.
هذا الاستحضار يتناسى أيضاً طبيعة حركة التضامن حينها، والأهم أن هذا الاستحضار المشوه لهذه التجربة كنموذج يعمل على تطبيع الاستعمار من جهة وفرض طريقة الفعل الوحيد للحل عبر التضامن والفعل القانوني وبالتالي الاستهزاء وحتى تجريم لكل عمل مقاوم.

هذا الاستحضار المشوه يتنافى تماماً حتى مع واقع جنوب إفريقيا حالياً، حيث يرى الكثير استمرار الاستعمار بطرق أخرى ويصطدم كذلك بفجاجة مع نماذج تحرر أخرى كالنموذج الجزائري الذي قل ما استحضره مثقفو الهزيمة. فالنموذج الجزائري أقرب من وجهة نظر تحليلية بكثير للمسألة الفلسطينية، ليس فقط كمسألة تاريخية وإنما كرؤية للمستقبل.
فاستحضار تجربة الجزائر تزعج أصحاب الخطاب المهيمن إذ يطالب جهاراً وعبر تجربة تاريخية واضحة إلى اقتلاع الاستعمار عبر الثورة المسلحة ولا يقتصر استحضار هذا النموذج على مسائل مثل تطبيع الاستعمار والاكتفاء بنتائجه وتغليف التحليل بمصطلحات مبهرجة بعد إخراجها من سياقها. بكلمات أخرى: يرى في الاستعمار الاستيطاني السبب البنيوي ويتعامل مع اجتثاثه أساساً من أجل التحرر ولا يكتفي بالحديث عنه من باب الرطانة والبكاء على الأطلال نظرياً لتطبيع وجوده أو عبر فذلكة استخدام المصطلحات المبهرجة لإخفاء وجوده من التحليل والمقاربة وحقل الفعل.
بهذا، يبدو أن الاستخدام المتكرر لهذا التوصيف الجزئي والمضلل، يخدم فعلاً فئات من الفلسطينيين والعرب ممن يفتقرون إلى الشجاعة السياسية، أو الذين يتخذون من هذه التوصيفات تبريراً لخضوعهم، أو للتهرب من مواجهة الحقائق الصعبة والحلول الحقيقية الفعلية، كما أنها قد تمنح نوعاً من الراحة الأخلاقية لبعض القوى الغربية، التي تختزل الصراع بأشخاصٍ بعينهم، كسياسيٍّ مجرم أو حزبٍ متطرف، أو عصابة مستوطنين مارقة، متجاهلةً كينونة الكيان الصهيوني ذاته.
فتأطير الهيمنة الاستيطانية الصهيونية واختزالها ضمن مقولة الفصل العنصري يعيد إنتاج العقلانية القانونية لمنظومة حقوق الإنسان الدولية التي تتجاهل تماماً البنية الكلية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني. ومن يطرحون نقداً بنيوياً ظاهرياً عبر مدخل الفصل العنصري، يظلون كذلك بمنأى عن تفكيك العقلانية القانونية والمعرفية للاستيطان الصهيوني، فهم ينتقدون الإجراءات القمعية للكيان، لكنهم يتحاشون المساس بجوهر السيادة الاستيطانية، وبذلك، يقع هؤلاء المثقفون والسياسيون في مفارقةٍ حادة، فبينما يتوهمون بطولة في تعرية الحدود الأخلاقية والسياسية للمشروع الاستيطاني، يعمدون في الواقع إلى تكريس، بل وحتى تبني ذات المنظومة المعرفية التي تجعل من هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني أمراً ممكناً ومبرراً وفق هذه العقلانية الليبرالية.
العودة إلى الجماهير
حين طرح أميلكار كابرال، القائد المؤسس لـ«الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر»، مفهوم «العودة إلى الأصل»، لم يكن يقصده كفعل تُراثي مَتْحَفي، ولا بوصفه نكوصاً نحو نوستالجيا بدائية، كما يسيء بشكل مقصود بعض الغرباويون في قراءاتهم المختزلة التفسير، بل اقترحه بوصفه إعادة تجذير واعية للفعل التحرري في الواقع الشعبي المعاش. فالجماهير الشعبية، عنده، وبثقافتها الأصيلة واستعدادها العالي جداً للتضحية، كما كان يراها، محقاً، هي الخندق الدفاعي الأول والأهم للمقاومة.
والأهم، كان جوهر هذه الأطروحة يكمن في الدعوة إلى الانتحار المعرفي والطبقي للنخبة المثقفة، فالبورجوازية الصغيرة في المجتمعات المستعمَرة تعيش مأزقاً وجودياً يحتم عليها الحسم حتى تتمكن من الالتحام مع تطلعات الشعب الحقيقية وتتشارك معهم قساوة ومتاعب النضال. فالفئات المتعلمة والشرائح الاجتماعية الوسطى في المجتمعات المستعمَرة، كمجتمعاتنا العربية، تعيش مأزقاً وجودياً يستوجب الحسم حتى لا تتسبب بفعل طبيعتها الاجتماعية في هزيمة حركات التحرر، ففيما هي الفئة الوحيدة التي تمتلك الأدوات المعرفية والتقنية لإدارة الدولة والمجتمع، يفرض عليها موقعها الاجتماعي/ الطبقي وتقاطع مصالحها وثقافتها الغربية الاندماج في المنظومة الاستعمارية من موقع الوكيل أو الوسيط، لهذا، يطرح كابرال على هذه الفئة الخيارات التاريخية الوحيدة الممكنة: إما أن تخون الثورة، أو تنتحر طبقياً ومعرفياً. كان يمكن لكابرال، طبعاً، أن يتركهم بحالهم لولا أنهم، كما نرى في الحالة الفلسطينية بوضوح، قرروا أن يكونوا رأس الحربة لإعادة صياغة المشروع الوطني وفق متطلبات أنظمة التبعية والمركز الإمبريالي.
ومن هذا المنطلق، ندعو في مقترحنا لـ«ميثاق التحرر الثوري الشامل»، النخب الفلسطينية والعربية من أكاديميين ومثقفين وموظفي المنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث، وحتى البيروقراطيات العسكرية والسياسية، وعموم النخب، مواجهة هذا الاستحقاق التاريخي بشجاعة والتزام وطني وقومي وإنساني وأخلاقي، والعودة إلى الأصل، إلى البيئة الحاضنة للمقاومة، حيث تصنع الجماهير بدمائها الملاحم المدهشة التي تقارب المعجزة، كما شاهدنا في غزة ولبنان واليمن، بدل الانخراط كمثقف من موقع التابع والوسيط الذي اختار الاصطفاف في خندق المنافسة على تحصيل بعض من الريع المغمس بدماء شعبه وأهله.

فالمثقفون في الجنوب العالمي محكومون بسطوة وطغيان أفق «التنوير الكولونيالي»، وسيظلوا دائماً منخرطين بممارسة أنواع متعددة من الاختزال الثقافوي، طالما يقرأون المقاومة والثورة والتحرر بعيون غربية الثقافة والهوى، والأهم من موقعهم الطبقي والمصلحي، وحتى وفق مصالحهم الفردية، ما يدفعهم ليس فقط لخشية ثورية الجماهير واستعدادها الهائل للتضحية، التي قد تهدد موقعهم وتموضعهم كوسطاء وحلقة وصل مع المركز الإمبريالي، بل وحتى معاداتها أيضاً. لهذا، يصبح التحرر بالنسبة إليهم، بالحد الأقصى، مجرد استجداء لتعديل بعض سلوك المستعمِر، وليس العمل على نفي أو إلغاء البنية الاستعمارية. ولهذا، تصبح العودة للأصل (إلى البيئات الحاضنة، حيث الجماهير الشعبية في المخيمات، القرى، والمدن، والبنى الاجتماعية التقليدية والأصيلة، والثقافة الشعبية المشتبكة، العقيدة المحلية المقاومة) عند هذا المثقف التابع عبئاً يجب التخلص منه من أجل الاستمرار في السعي للوصول إلى وهم وعد الحداثة الكولونيالي المزور، والخلاص الفردي الذي يستوجب التضحية بمصالح الأمة الوجودية من أجل مصالح فردية ضيقة.
ويتجلى الدور التخريبي للمثقف التابع في المحاولات الدؤوبة لـ«تمدين» و«تحديث» المقاومة وحركات التحرر لتتناسب وذوق ورؤية ومصالح المستعمِر، بالعمل على إفراغها من محتواها الكفاحي وإعادة تشكيلها وفق قوالب مؤسساتية ليبرالية. بل إنهم يتجاهلون عن عمد، وبعضهم حتى يستهزئ ويستخف، بالإمكانات الثورية الكامنة في توطين المقاومة والمعرفة (بالعودة إلى البيئات المقاومة) كخيارات حقيقية، مفضلين التمسك باستيراد فانتازيا ليبرالية نرى ترجمتها في المساواة بين الضحية والمستعمِر المجرم كـ«مواطنين متساوين» في فضائهم النظري المعلق في الفراغ، بينما الواقع المادي والحقيقي ينطق بالإبادة والتطهير العرقي، والتدمير الشامل.
فحين يطرح هؤلاء مفاهيم مثل «دولة لجميع مواطنيها» أو يُنَظِّرون لـ«الإصلاح المؤسساتي» و«الديمقراطية الليبرالية»، وحتى «الوحدة الوطنية» وفق هذه الأسس الإصلاحية، التي تستثني برنامج ومصالح الجماهير الشعبية التي تقدم الدماء والتضحيات الحقيقية، ويستمر البعض بالتنظير وإعادة الـتأسيس لمشروع «التسوية» بعد أكثر من خمسين عاماً من التجارب، وتصبح كلها مجرد أدوات لعقد صفقات ديبلوماسية بدل التحرير الحقيقي، في ظل استعمار استيطاني إبادي، فإنهم لا يمارسون فعلاً سياسياً مقاوماً كما يوهمون الناس. بل يوظفون قدراتهم الثقافية لاجتراح توليفات لتجميل القبح البنيوي للمشروع الاستعماري، وعبره المشروع الإمبريالي الغربي، لعقد صفقات ديبلوماسية على حساب دماء الجماهير.
وتتجلى إشكالية المثقف التابع، أيضاً، في قدرته الاستثنائية نسبياً، على استيلاد خطاب مُستساغ أساساً من قبل المركز الاستعماري، يتسم ببعض التعقيد المعجمي والاصطلاحي المفرط، خطاباً مصمماً سيميائياً (رمزياً ودلالياً) لمخاطبة (وحتى استرضاء) الجهات المانحة والمموِلة والدوائر الديبلوماسية، ما يخلق فجوة معرفية وجودية تفصله عن الوعي الجمعي للفئات الشعبية المنخرطة فعلياً في الصراع الميداني وتدفع أثمانه الهائلة بالدم باستمرار.
لكن هذه اللغة، في الشكل والجوهر، لا تُمثل ولا تُؤشر، بالتأكيد، لأي تطور أو ارتقاء معرفي كما يحاولون إيهام الناس، بل هي أساساً وجوهرياً قناعاً طبقياً، يخفي خلفه تشابك وتقاطع مصلحي بنيوي وحتى أمن طبقي مشترك مع قوى المركز الاستعماري وتوابعه من أنظمة ومشيخات عربية وظيفية مستعمَرة، وبالتالي يمثل (هذا الخطاب) أحد آليات الهيمنة الطبقية والسياسية. هكذا يتم إقصاء الجماهير عن قيادة مشاريعها التحررية التي تدفع وحدها من أجلها الدم والتضحيات وتغييب صوتها بالكامل، واختزال الصراعات الوجودية، مثل الذي يعيشه الفلسطينيين، والمشاريع الوطنية الكبرى في تمارين أكاديمية أو ملفات وموضوعات تداولية تُناقش في المؤتمرات الدولية والأكاديمية.
إن أي تنظير للمشروع الوطني يفتقر إلى القابلية للاستيعاب والفهم من قِبل الفواعل التاريخية والميدانية الحقيقية (خصوصاً حَمَلَة البنادق)، تفقد جوهرها وصبغتها الثورية وتتحول إلى مجرد أداة لترسيخ سلطوية النخبة التي تنصب نفسها كوسيط مع المركز الإمبريالي وتوابعه. لهذا بالضبط، تتجلى الأيديولوجيا لتكون أكثر من مجرد خطاب تعبوي فحسب، بل وتصبح قوة مادية حقيقية ذات فاعلية واقعية، تصبح فيها الأيديولوجيا الثورية والمقاومة أداة إدراكية وخريطة معرفية تمكّن الجماهير من فك شيفرات استغلالها واضطهادها المركب الذي يشارك فيه بفعالية سدنة الثقافة بخيانتهم دورهم التاريخي.
وللتوضيح، ليس الخلاف أو المشكلة هنا فقط أن التناقض الجذري بين اللغة الأكاديمية التجريدية، والمنكفئة على ذاتها، وبين احتياجات الجماهير الحقيقية مجرد عائق تواصلي يجعل المشروع عصي على الفهم والاستيعاب.

بل أن مشكلته الأساسية في كونه أولاً، وأخيراً، وأساساً، تعبيراً عن تموضع طبقي وسياسي مضاد يسعى إلى تجريد الحركات الوطنية من زخمها الشعبي وتحويلها إلى مجرد تمرينات فكرية نخبويّة تتقرب فيها إلى أنظمة التبعية والمركز الاستعماري. وبناءً على ذلك، فإن نجاح أي مشروع للتحرر الوطني يظل مشروطاً، أولاً وأخيراً، بالرفض البنيوي لأجهزة الدولة التابعة والمنظومات الاستعمارية، ومقاومة الاندماج في منظومات الهيمنة العالمية التي تشكل الخلفية الجيوسياسية الأساسية للصراع، خصوصاً في الحالة الفلسطينية التي تتطلب وتفترض من أي ثوري ومقاوم ومثقف حقيقي قطيعة معرفية وسياسية وثقافية مع أدوات التبعية كافة، بدءاً بالمركز الاستعماري وثقافته الاستعمارية وصولاً إلى توابعه من أنظمة وظيفية.
ميثاق التحرر الشامل
إننا، كأبناء للشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية، وأيضاً كأكاديميين وباحثين وعاملين في الحقول المعرفية، وإدراكاً منا لحجم المأزق الوجودي الذي تفرضه البنية الطبقية والمواقع الوظيفية والخلفية الثقافية في ظل استعمار استيطاني إبادي على كل العاملين في الحقول الثقافية والمعرفية، نعلن انحيازنا التام والنهائي والمطلق لخيار جماهيرنا الشعبية وكفاحها العظيم ومقاومتها الشاملة في كل الميادين، ونعلن، وبلا أي تردد، استعدادنا لدفع أي ثمن يترتب على خيارنا هذا مهما كان كبيراً.
إن بياننا هذا هو دعوة لكل المثقفين العرب للوقوف معنا لإعلان موت ونهاية دور المثقف الوسيط والوكيل الوظيفي، وولادة المثقف المقاوم، العضوي، والمشتبك الذي لا يرى في المعرفة والثقافة ترفاً ووظيفةً، بل سلاحاً أساسياً في نضال شعبنا وأمتنا على طريق التحرير الشامل والوحدة.
لهذا، فإننا نؤكد في هذا الميثاق على:
أولاً: ضرورة صياغة مفاهيم التحرر والمشروع الوطني انطلاقاً من الواقع المادي الحقيقي لبيئات المقاومة (المخيم، القرية، الزنزانة، الخندق، والنفق)، ورفض أي استيراد للقوالب الليبرالية الجاهزة، أو صيغ مصممة على ذوق، ووفق مصالح قوى التبعية والمركز الاستعماري، والتي تُستخدم كأدوات هندسة اجتماعية بهدف تجميد وتحييد القوى الاجتماعية والسياسية العربية عن الصراع الحقيقي فيما يستمر العدو العمل بشراسة لحسمه نهائياً. إن التحرر الحقيقي يبدأ بتفكيك الاستعمار المعرفي كشرط أساسي للتحرر الكامل.
ثانياً: الرفض الكامل لريع التبعية مهما كان مصدره، والالتزام الكلي بمقاطعة كافة أشكال التمويل، فكلها مشروطة سياسياً، وتهدف إلى تدجين الوعي الفلسطيني والعربي، تحت أي من المسميات. فتفكيك سلطة الوكيل ونقد ورفض البنى الارتزاقية المتعددة للمثقفين العرب، والبيروقراطيات المرتهنة للمانحين والممولين، هي شرط للوعي والإدراك الحقيقي والثوري للمشروع الوطني، أما تحول العمل الوطني والكفاحي، ضمن أفق المشروع الوطني، إلى مجرد وظيفة ضمن هيكليات المنظمات غير الحكومية أو الحكومية، مراكز الأبحاث، وغيرها من المؤسسات الممولة من المركز الإمبريالي أو أنظمة التبعية، فيمثل الاختراق البنيوي الأخطر للمشروع الوطني، وسيقوده حتماً إلى الهزيمة والخراب.
ولهذا فإننا نطالب الجميع بالشفافية النضالية الكاملة ورفض كافة التمويلات، وأن يكون المعيار الأساسي والوحيد لأي نشاط أو برنامج هو الجدوى الكفاحية، وليس التمويل واشتراطات المانحين والممولين. ولهذا أيضاً، فإن هذا الميثاق يرفض أي ادعاء بالحياد الزائف لأي مثقف عربي، فالمثقف ليس وسيطاً أو محايداً ولا يمكن أن يكون، بل هو إما أن يكون مع شعبه في خندق المواجهة والمقاومة أو ينتهي في خندق الأعداء، وبالتالي فإن أي خطاب يغفل الإبادة، وبالتالي ضرورة المقاومة الشاملة، لصالح خطاب الإصلاح هو خطاب متواطئ.
ثالثاً: إعادة الاعتبار للفاعل الميداني كمرجعية عليا وواحدة ووحيدة، فلا يمكن للمشروع الوطني أن يُدار بأجهزة التحكم عن بعد سواء من عواصم المركز الإمبريالي أو عواصم أنظمة التبعية. المرجعية الشرعية والسياسية تُنتزع من قبل حملة البنادق والبئيات الحاضنة، الذين يواجهون الآلة الاستعمارية مباشرة وعلى الأرض وبلا توقف. فهؤلاء لا يقدمون التضحيات والدم كل يوم، بل وتمثل ثقافتهم المحلية الأصيلة الدرع المعنوي والوجودي للمشروع الوطني.
رابعاً: تفكيك الهوية الثقافية البورجوازية التابعة والتخلي الواعي عن السعي وراء الوجاهة الأكاديمية والترقي الوظيفي المرتهن برضا وإسناد المؤسسات الدولية والأنظمة الوظيفية التابعة، وتحويل الجهد المعرفي لخدمة البنى الاجتماعية المقاومة (المخيم، القرية، البيئات الشعبية المقاومة).
خامساً: استراتيجية الالتحام الطبقي وتحويل المعرفة إلى قوة مادية: إننا نطالب كل أكاديمي ومثقف عربي بالتوقف عن الخضوع للامتيازات التي يمنحها له المركز الاستعماري والأنظمة التابعة، وتحويل أدواته البحثية ومعرفته التقنية لتكون ذخيرة في يد المقاومة. فالمعرفة التي لا تُفهم ولا تستخدم في الخنادق والميادين هي معرفة عقيمة، بل ومعادية تاريخياً للمشروع الوطني.

لذلك، يتوجب على المثقف الحقيقي المنتمي لمشروع شعبه بالتحرر الانتقال من دور المراقب إلى دور المشارك، بحيث تصبح الخبرة التقنية والمعرفية في كل المجالات في تصرف الحاضنة الشعبية للمقاومة دون قيد أو شرط.
سادساً: إننا ندعو إلى تعرية ومقاطعة كل المثقفين والأكاديميين الذي يصرون على دورهم الوظيفي نيابة عن المركز الاستعماري وأدوات التبعية العربية، وهذه الدعوة ليست انتقاماً شخصياً، لأن المشروع الوطني أكبر من أي شخص مهما كان، بل هو تطهير بنيوي ضروري للمسار التحرري من أي شوائب للتبعية. فبعد حروب الإبادة الأخيرة التي دفع شعبنا ثمنها مئات آلاف الشهداء والجرحى وبعد تدمير غزة كلياً، عدا عن ما يجري في الضفة وباقي فلسطين، ولبنان والمنطقة العربية، من عدوان مستمر، فإن السكوت، حتى لا نقول المجاملة، أصبح ضرباً من الخيانة لهذه الدماء (والمجاملة في الموضوعات الوطنية هي دائماً ضرب من الخيانة).
إننا ندعو إلى التعرية المعرفية والسياسية لكل من يرفض التخلي عن دور الوسيط والوكيل، وندعو كل المثقفين الملتزمين إلى رصد وتوثيق كل الخطابات التي تتبنى لغة المستعمِر ونشرها كنموذج للخيانة الثقافية. كما ندعو إلى كشف التمويلات المشروطة للمنظمات والمراكز البحثية التي تفرض أجندات تطبيعيه أو تدجينيه للمجتمع العربي عموماً، والفلسطيني خصوصاً.
كما ندعو إلى عزل هذه النخب التي تصر على اختيار الاصطفاف مع المركز الاستعماري وأنظمة التبعية ومقاطعتها ورفض تمثيلها للمشروع الوطني في أي محفل، فالمبدأ الذي يتوجب إرساؤه هو: لا تمثيل بلا مقاومة، ولا تفويض إلا تفويض الشرعية الثورية ومصدرها الوحيد هو البيئات الحاضنة للمقاومة، والخنادق والأنفاق والزنازين. وبناء على ذلك، فإننا ندعو إلى تأسيس مرصد للثقافة التحررية كهيئة شعبية مستقلة تضم المثقفين المشتبكين والملتزمين بالمشروع الوطني ومتطلباته، من أجل تقييم أداء المؤسسات الثقافية والسياسية بناء على مدى اقترابها أو ابتعادها عن ميثاق التحرر الشامل.
البديل الثقافي المقاوم
إنّ الغاية الأساسية لهذا الميثاق ليست في النقد فحسب، بل تهدف أساساً لاقتراح البديل الوجودي والمعرفي كواجب ومسؤولية أخلاقية، وطنية، وتاريخية. ومن هذا المنطلق، نعلن انحيازنا التام لصياغة بديل ثقافي مقاوم، ينهض على أنقاض الهيمنة المعرفية، ويستوجب بالضرورة تبني المعرفة المقاومة (ابستمولوجيا المقاومة)، بوصفها حقلاً معرفياً مشتبكاً، متجذراً في البيئة الشعبية للمقاومة والفعل الشعبي المقاوم. وبناءً عليه، فإننا ندعو إلى، ونعلن تمسكنا بالمبادئ الأساسية التالية:
أولاً- توطين المعرفة: إنّ التوطين المعرفي يقتضي اعتبار الميدان الحيّ والواقع الوجودي لبيئات المقاومة الشعبية المختبر المعرفي الأوحد للمثقف وللمُنتَجْ المعرفي على حد سواء. إنّ المثقف العضويّ المشتبك المنخرط في مشروع التحرر الوطني والقومي لا يمكنه الانكفاء إلى موقع المراقب المحايد أو التمترس خلف الأبراج العاجية مكتفياً بالتجريد والتنظير، بل يتعين عليه تحويل أدواته المنهجية إلى آليات وظيفية في خدمة الكتلة التاريخية للمقاومة (المقاوم، الفلاح، العامل، واللاجئ)، فالدور الأهم المنوط بالأكاديمي والمثقف هو العمل على ردم الفجوات المعرفية التخصصية التي ترفد المشروع المقاوم بعوامل القوة والديمومة.
ثانياً- السيادة الفكرية وتقويض المعجم الكولونيالي: ندعو إلى إعلان وممارسة الاستقلال المعرفي عبر القطيعة الجذرية والكلية مع المعجم الكولونيالي وتوحيد الجهاز والأدوات المفاهيمية للمقاومة. إنّ ضرورة تطهير لغتنا من المصطلحات والأطروحات التي تمت صياغتها في المركز الإمبريالي، ووفق المنطق والمصلحة الإمبريالية، لتفتيت وتشتيت البنية الوطنية (مثل: تنظيم/ نزع السلاح، الإرهاب، الحوكمة، وإصلاحات الليبرالية الجديدة) هي ضرورة وجودية، ولا يتحقق ذلك إلا عبر تفكيك البنى اللغوية المتغربنة في الأكاديميا والثقافة العربية، واستبدالها بلغة مقاومة مستمدة من القاموس الكفاحي الشعبي.
إنّ المعيار النقدي لأي أطروحة أكاديمية أو موقف ثقافي هو قابليتها للتداول والفهم في الخندق والمخيم والنفق والزنزانة، حيث واجب المثقف المقاوم المساهمة في توفير البوصلة الاستراتيجية للجماهير، بعيداً عن إنتاج معرفة مشوهة لا تكرِّس إلا الاغتراب السياسي. كما نؤكد على رفض المركزية الغربية كمرجعية وحيدة للحقيقة، لا سيما في تدوين السردية التاريخية والقيمية لشعبنا ومقاومتنا العظيمة.
ثالثاً- دمقرطة المعرفة وتحويل الأيديولوجيا إلى قوة مادية: إنّ الأيديولوجيا الثورية والمقاومة في منظورنا ليست شعارات جوفاء، بل هي نسق إدراكي وخريطة معرفية يفكك عبرها الأبعاد الجيوسياسية والكونية للصراع، ويفضح آليات الاستغلال البنيوي وتقاطع المصالح بين أي من الشرائح الاجتماعية العربية والمركز الإمبريالي والمستوطنة الصهيونية.

وفي مقابل هذا الجهد التنظيري، توفر بيئة المقاومة المثقف بالحقائق المادية والممارسة العملية والوقائع والبيانات التي تحمي نظرياته من الانزلاق في متاهات وأوهام التجريد الليبرالي. إنّ وحدة المصير بين المثقف والمقاوم تحول المعرفة من ترف ذهني إلى ذخيرة رمزية تتماهى كلياً مع الذخيرة المادية، وتمنح الفعل المقاوم معناه التاريخي، وأفقه الوجودي، وشرعيته الأخلاقية.
إن هذا الميثاق هو دعوة لاسترداد القرار الوطني من يد النخب التي اعتادت دور الوسيط والوكيل، وإعادته إلى كنف الجماهير والبيئات الحاضنة للمقاومة التي تصنع التاريخ بدمائها. هذا الميثاق هو دعوة للانتقال من سياسة الاستجداء إلى إرادة إلغاء ونفي البنى الاستعمارية.
ختاماً، في مقابل ما تقدمه الجماهير الشعبية من تضحيات هائلة، فإنَّ الحَدَّ الأدنى من الاستحقاق الأخلاقي والوطني والقومي والإنساني الواجب على المثقف العربي، يكمن في التخلي عن امتيازات التراتبية الفئوية ونرجسية الأنانية النخبوية، والالتحامِ الوجوديِّ والكلي بالفعل المقاوم. إننا نعلن اعتزازنا بانتمائنا للشعب الفلسطيني العظيم والمقاوم، وبكينونتنا القومية العربية، وبهويتنا المعرفية الجنوبية، ونستلهم منها جميعاً هويتنا الإنسانية وانتماءنا الأممي، لاستعادة تاريخنا الذي صادره الاستعمار برفضنا المطلق لتراتبيات المركزية الغربية وأوهام اللحاق بحضارتها المتوحشة ومدنيتها المأزومة.
فنحن لا نلهثُ خلفَ سرابِ الحداثةِ الغربيّة الكولونيالية، ولن نرتضي لأنفسِنا دورَ التابعِ المَسخ، بل نؤمن أن المعرفة المقاومة، وحدها، هي بداية مَخاض ولادة الإنسانِ العربي الحر الذي لا يكتفي بطردِ المستعمرِ من الأرض، بل يقتلعُ أيضا آثارَهُ من الوَعي. فإرادتنا لا يجب أن تكون معقودة على مهادنة النسق القائم مهما اختلت موازين القوى، بل على تقويض أركانه.
لنكسرَ قيود المعرفة، حتى النصر دائماً.
عاشت فلسطين عربية.