إذا سألوني يومًا لماذا لم أغادر هذه الأرض قط، فسأقول إن الأمر لم يكن بدافع العادة، بل بدافع الحب. حبٌّ مؤلم، يلتصق بجلدك كحرارة الصيف، ولا يبهت مع البُعد أو مرور السنين.
كوبا ليست مجرد المكان الذي وُلدت فيه، إنها الطريقة التي أتحدث بها، وأمشي بها، وأنظر بها إلى الآخرين.
هي الضحكة العالية في الأجواء المشحونة، والنكتة التي تُختلق حين لا يكون على المائدة ما يُؤكل، ويد العون التي تظهر عندما يبدو كل شيء ضائعًا.
رأيت هذا البلد في أكثر أيامه إشراقًا، وفي أطول لياليه عتمةً.
رأيت مسارح عامرة بالأحلام، وشوارع مثقلة بالصمت. رأيت ممثلين يتدرّبون بلا كهرباء، وأمهاتٍ يقسمن طبقًا واحدًا على ثلاثة، وشبابًا يودّعون دون أن يعرفوا متى يعودون. ومع ذلك، لم أرَ كوبيًا يستسلم استسلامًا كاملًا.
هنا، الأمل ليس مجرد كلمة جميلة، بل هو فعل مقاومة. أن تستيقظ كل صباح دون أن تدري ماذا سيكون غداؤك، ومع ذلك تخرج لتكافح.
أن تشارك آخر فنجان قهوة. أن تقول: «سنتدبّر الأمر» بينما التعب يعصف بك من الداخل.
تؤلمني الوداعات المتكررة، البلد الذي يتلاشى في الصور والمكالمات الهاتفية ووعود العودة.
يؤلمني ضياع المواهب لعدم وجود مساحة كافية لنموها. تؤلمني شيخوخةُ من تُركوا ينتظرون.
لكن الذي ينقذني هو الناس. السيدة التي تكنس عتبة بيتها كأنّها قصر.
الشاب الذي يغني عند زاوية شارعٍ بلا ميكروفون.
الجار الذي يطرق بابك ليسألك إن كنت بخير.
ذاك هو الوطن الحقيقي الذي لا يظهر في الخطابات، ولا تحتمله الإحصاءات.
لا أتحدث من منظور سياسي، بل أتحدث من واقع الحياة. من على خشبة المسرح ومن الشارع.
من التصفيق ومن لحظات الانقطاع عن العالم.
فالفنان، في نهاية المطاف، شاهدٌ على زمنه، وزمني كان هذا: أن أحبّ كوبا حتى حين يوجعني حبّها.
إن قُرئت هذه الكلمات في مستقبلٍ مختلف، فليكن فيها ما يذكّر بأن جيلًا قاوم بكرامة ولم يفقد رقّته، وظلّ يُبدع حتى حين بدا الإبداع مستحيلًا.
أحتفظ بهذه الصورة في وجداني: جزيرةٌ متعبة لكنها شامخة، مثخنةٌ بالجراح لكنّها معطاءة، مجروحةٌ لكنها عامرة بالإنسانية.
ففي النهاية، أن تكون كوبيًا ليس موقعًا على الخريطة، بل طريقةً في الحب.
الممثل الكوبي الشهير Enrique Bueno.
ترجمة الرفيقة لينا الحسيني
