حين يكتب “ابن حربتا” سفر الخلود بدمه الطاهر، يبرز لنا أبطالٌ من طينةٍ أخرى، طينةٍ لا تعرف إلا التواضع في العيش والشموخ في المواجهة، فلم يخرج الشهيد السعيد علي المولى من قصور العاج ولم يرتدِ بزاتِ العرضِ العسكريِّ المتأنقة، بل خرج من رحمِ البقاع الأشم ومن “حربتا” الصمود، بقلبٍ يملؤه الإيمان وببساطةِ ابنِ الأرض الذي لا يحتاج لأكثر من حذاء “كروكس” ليمضي به في دروب الكرامة، وليكون شاهداً على أعظم مفارقة في التاريخ المعاصر؛ كيف استطاع هذا البطل وببساطته أن يهزم دباباتٍ كُدِّست لسنواتٍ بميزانيات المليارات من الدولارات، فبينما كانت التكنولوجيا العسكرية العملاقة والحديد الصدئ تتهاوى أمام عزيمة رجال الله، كان “الكروكس” يخطو على تراب الجنوب بكل ثقة، ليُثبت للعالم أنَّ الصراع ليس صراع آلاتٍ وأرقام، بل هو صراع إراداتٍ لا تُهزم، ففي الوقت الذي انفق فيه العدو ملياراته ليصنع “أسطورة” الحديد، صنع علي وأمثاله أسطورة “الإنسان” الذي لا ترهبه الترسانة، فباتت الدبابات التي حُسب لها ألف حساب مجرد أكوام من الخردة أمام شجاعة من يرتدي البساطة ويحمل في يديه بأس الحق، هنيئاً لك يا علي هذه الرتبة التي لا ينالها إلا العظماء، وهنيئاً لك الجنوب الذي باركت أرضه بدمك الزكي بعد أن مرغت كبرياء دباباتهم بالتراب، فصرت اليوم حارساً من حراسه وروحاً تحوم فوق تلاله ووديانه، نم قرير العين فقد أديت الأمانة، وإنَّ “الكروكس” الذي مشيت به في الدنيا قد صار اليوم رمزاً لانتصار الإرادة على المليارات، وعنواناً لنموذجٍ متفردٍ من الأبطال الذين لا تنحني رؤوسهم إلا لبارئهم، فسلامٌ عليك يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حياً
د. نبيلة عفيف غصن
