حين يفتحون “ملفات إبستين” فيشعرون أنهم كشفوا المستور، بينما الدولة العميقة تبتسم لهم ابتسامة الموناليزا. في علم النفس الاجتماعي، لا تُسمى هذه اللحظة “انتصاراً للشفافية”، بل “إدارة ذكية لضغط الغلاية”. النظام المتحكم هناك لا يسقط بالتسريبات، بل يتنفس من خلالها. الفكرة ببساطة أن السلطة الخفية لا تخشى انكشاف أسرارها، هي فقط تخشى فقدان السيطرة على “توقيت” الفضيحة و”جرعة” الحقيقة التي ستخرج للعلن.

الموضوع يشبه إلى حد كبير تلك الأفلام التي يُضحّى فيها بالبطل الثانوي ليعيش الملك؛ يقدمون لهم “قرابين محسوبة”، أسماء تُحرق، صور تُنشر، وفضائح تُعرض تحت الضوء الساطع، والهدف الحقيقي ليس تطهير البيت، بل جعل “الظل” المحيط ببقية الشبكة أعمق وأكثر حصانة.

أما الشعب الأمريكي، فيمارس دورة حياة نفسية متوقعة جداً: يغضبون، يصرخون في المنشورات، يستنزفون طاقتهم العاطفية في ملاحقة أسماء المشاهير، ثم يصابون بـ “الإنهاك المعرفي”. وهنا تأتي الضربة القاضية: “إعادة الإدماج في النسيان”. يعودون لحياتهم العادية وهم يشعرون براحة زائفة لأنهم “عرفوا”، بينما البنية التي أنتجت الجريمة لا تزال تعمل بهدوء، وتجهز لهم الملف القادم الذي سينبهرون به بعد سنوات.

لماذا يكتفون بالمعرفة؟ لأن العقل الجمعي يقع في فخ “وهم الإنجاز المعرفي”. هم يعتقدون أن مجرد امتلاك المعلومة هو فعل مقاومة، بينما الحقيقة أن المعلومة التي لا تُغير “البنية” هي مجرد مادة ترفيهية دسمة. التسريب لا يكسر الصمت، بل يعيد تنظيمه؛ الجريمة تظل قائمة، لكنها الآن موثقة بملفات تجعلهم يشعرون أنهم واعون، في حين أنهم فقط “متفرجون” في مسرحية تم إعداد كواليسها بعناية.

الأشخاص قد يحاكمون شعبيا أو قضائيا، لكن الشبكة تظل تعمل.. والأفعال الدنيئة تُجرّم، لكن المنطق الذي سمح به يظل قائما، بانتظار موسم تسريبات جديد يُشبع فضولهم ويؤكد عجزهم في آن واحد.