من قال إن ما يحدث صدفة؟ إن تكرار الصدفة بهذا الإصرار، وبهذا الانتظام، وبهذه النتائج المتشابهة، يسقط عنها معناها، ويحوّل الإيمان بها إلى حالة إنكار لا براءة. التاريخ لا يُدار بالعشوائية، بل يُدار بالسرد، ومن يملك السرد يملك الوعي، ومن يملك الوعي يملك البشر.
في عام 2016، خرجت إلى العلن مراسلات إلكترونية مسرّبة عبر ويكيليكس، مرتبطة بـ جون بوديستا، مدير حملة هيلاري كلينتون. لم تكن الخطورة في بعض ما كُتب فحسب، بل في ما كشفته تلك الرسائل عن عالم سياسي مغلق، تُصاغ فيه القرارات الكبرى بعيدًا عن الشعوب، ثم تُقدَّم لاحقًا على أنها خيارات ديمقراطية. كان ذلك تذكيرًا فجًّا بأن ما نراه هو دائمًا نسخة منقّحة مما يحدث فعلًا.
وقبل ذلك بسنوات، كانت الأميرة ديانا. في 31 آب/أغسطس 1997، ماتت في نفق ألما بباريس، وأُغلق الملف رسميًا باعتباره حادث سير. لكن السؤال لم يكن يومًا كيف ماتت، بل ماذا كانت تعرف. ديانا لم تكن زوجة أمير فقط، بل شاهدة من داخل قلب المؤسسة الملكية البريطانية. صرّحت قبل وفاتها بأنها تشعر بأن نهايتها “مخطط لها”، وكتبت مذكرات لم يُنشر منها إلا ما سُمِح له بالظهور. عملية باجيت التي انتهت عام 2006 قالت إنه لا توجد مؤامرة، لكنها لم تُجب عن السؤال الأخطر: لماذا كل من يقترب من عمق المنظومة يُحاصر بالتشويه أو يُدفع إلى الصمت الأبدي؟ وما هو السر الذي إن خرج، يصبح بقاؤك خطرًا؟
نعود إلى عام 1912. سفينة تايتنك، التي أبحرت في 10 نيسان وغرقت في 15 نيسان، قُدّمت للعالم كأسطورة رومانسية عن الغرور الإنساني. لكن على متنها كانوا جون جاكوب أستور الرابع، وبنجامين غوغنهايم، وإيزيدور شتراوس، من أبرز رجال المال في ذلك العصر. وبعد أقل من عام، في 1913، أُقرّ قانون إنشاء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. لا أحد يُطالب بتصديق رواية جاهزة، لكن من يمنع السؤال؟ ولماذا يُسخر ممن يربط بين الحدث وما تلاه؟ منذ متى أصبح التفكير تهمة؟
ثم جاء 11 أيلول/سبتمبر 2001. لم يكن حدثًا أمنيًا فقط، بل لحظة إعادة برمجة شاملة للعالم. منذ ذلك التاريخ، تغيّرت القوانين، تغيّرت الحروب، تغيّر الخطاب، وصُنع عدوّ كوني جديد. جرى وسم الشرق الأوسط بالإرهاب، واختُزل الإسلام في صورة عنف، وبدأ كيّ الوعي عبر الإعلام، عبر التكرار، عبر الصورة الواحدة التي لا تُناقش. ثم ظهرت تنظيمات متطرفة تحمل اسم الدين، بينما تخدم، عمليًا، السردية التي تبرر الاحتلال والقتل وإلغاء الآخر. هكذا تُصنع القناعة: ليس بإقناعك بالحقيقة، بل بمنعك من رؤية غيرها.
وفي عام 2003، غُزي العراق. سقطت بغداد، وسقط معها توازن المنطقة. البداية لم تكن عشوائية، والضرب لم يكن سياسيًا فقط، بل حضاريًا. العراق، أرض السومريين، أول كتابة، أول قانون، أول مدينة. ومن العراق إلى سوريا، أرض الأوغاريتيين والآراميين، أول أبجدية، ثم إلى مصر، حضارة الفراعنة، كان الخط واحدًا: استهداف الجغرافيا التي تحمل الذاكرة، كأن المطلوب ليس احتلال الأرض فقط، بل قطع جذور الإنسان نفسه.
ثم نصل إلى غزة. ما يحدث هناك لا يمكن وصفه بغير ذلك: فعل لا يقبله بشر. قتل جماعي، إبادة، تدمير بلا معنى، واستعراض للقوة بلا أي قيد أخلاقي. هنا يصبح السؤال مشروعًا بل ضروريًا: هل من يفعل ذلك ما زال يتحرك ضمن المنظومة الإنسانية أصلًا؟ أم أننا أمام كائنات هجينة في سلوكها، منزوع عنها الضمير، كما أن الحروب التي تُدار اليوم حروب هجينة: إعلام، اقتصاد، حصار، تجويع، وشيطنة، لا جبهات واضحة ولا قوانين.
وفي خضم هذا كله، يُعاد فتح ملف جيفري إبستين، الرجل الذي مات عام 2019 داخل سجن أمريكي، وتُفتح وثائق وأسماء وشبكات استغلال جنسي للأطفال موثقة قضائيًا. يُصدم العالم، نعم، لكن السؤال الذي لا يُطرح: لماذا كل من جرى تشويههم تاريخيًا، واتهامهم بالإرهاب أو التخلف أو قمع المرأة، لا يظهرون في هذه الوثائق؟ لماذا لا نجد أسماء المقاومات، ولا الشعوب المنكوبة، ولا أولئك الذين قالوا “لا” للهيمنة؟ وكيف أُقنع العالم أن هؤلاء، رغم كل ما كُشف عنهم، هم معيار “التحضر”، بينما يُدان غيرهم أخلاقيًا باسم حقوق الإنسان نفسها؟
هكذا يتم كيّ الوعي. عبر الإعلام، عبر انتقاء الغضب، عبر تحديد ما يجوز لك أن تُدينَه وما يجب أن تصمت عنه. ليست القضية مؤامرة ساذجة، بل منظومة تعرف أن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يربط بين الأحداث، وأن يسأل: من المستفيد؟
“التاريخ لا يُكتب بالكذب وحده، بل بطمس الأسئلة الصحيحة.”
ما نعيشه اليوم ليس صراع سياسة فقط، ولا اقتصاد فقط، ولا دين فقط. إنه صراع على المعنى، صراع وجودي بين حق وباطل، بين إنسانية تُستنزف، ومنظومة لا ترى في البشر إلا أدوات. منذ آدم وإبليس، والصراع مستمر، يتبدّل شكله وتبقى حقيقته، إلى أن يقوم العدل الإلهي على الأرض كما في السماء.

ويبقى السؤال الذي لا يريدون لك أن تطرحه:
ما الذي يُراد إخفاؤه عن العالم، بينما يُشغَل عمدًا بوثائق جزيرة جيفري إبستين، في الوقت الذي تُباد فيه غزة، ويُعاد تشكيل وعي البشر؟

فاتنة علي_لبنان