حتمية المواجهة
تعيش إسرائيل اليوم معضلة وجودية حقيقية في مواجهة إيران، وتترافق هذه المعضلة مع حالة عدم استقرار على كل الجبهات المحيطة بها. فهي لم تتمكن من حسم لبنان أو غزة أو اليمن، وتواجه مخاطر متصاعدة في الساحة السورية، كما يقلقها تنامي الخزان المقاوم في العراق. هذا الوضع يجعلها تشعر بأن البيئة الإقليمية تتحول تدريجياً ضدها، وأن قدرتها على فرض معادلات الردع تتآكل.
لهذا تبدو الحرب بالنسبة للكيان حاجة ملحّة ومصيرية. من دون مواجهة واسعة تعيد تشكيل المشهد، لن يستطيع السيطرة على أمنه ولا اقتصاده ولا استقراره الداخلي. ومن هنا يمكن فهم أن ما يجري حالياً قد لا يكون تراجعاً أمريكياً حقيقياً، بل إعادة ترتيب للأوراق بين الولايات المتحدة والكيان، بهدف صياغة مشهد جديد يسمح لإسرائيل بالتحرك ضمن هامش أوسع.
في هذا السياق، يظهر التراجع الأمريكي وكأنه خطوة محسوبة لإعادة توزيع الأدوار بحيث يصبح الكيان هو من يبدأ الحرب. حاولت إسرائيل في الفترة الماضية إظهار نفسها كطرف غير راغب في التصعيد، وسعت عبر الوسطاء إلى التنصل من أي نية للهجوم، لكن إيران كانت واضحة وحاسمة في رسائلها.
وبما أن الكيان يرى نفسه مهدداً في كل الأحوال، فمن المرجّح أن يلجأ إلى عكس ما يعلنه. قد يبادر إلى شنّ ضربة مباغتة بعد التوصل إلى تفاهم أو شبه تفاهم مع واشنطن، مستفيداً من كل ما وفرته له الولايات المتحدة من دعم. بهذه الطريقة يخفف الضغط عن الإدارة الأمريكية، التي لا تريد أن تبدو وكأنها تذهب إلى حرب مباشرة، وفي حال اضطرت للمشاركة لاحقاً فسيظهر ذلك كاستجابة لظروف مفروضة أو كدفاع عن قواعدها إذا استهدفتها إيران.
كما سيحاول الكيان قدر الإمكان تحييد المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، أو على الأقل إظهار أن واشنطن ليست شريكاً في الهجوم، وأن دورها يقتصر على الدفاع إذا تعرضت منشآتها للخطر، خصوصاً في ظل وجود تفاهمات أو شبه تفاهمات مع إيران.
سائد عساف
٣ فبراير ٢٠٢٦
