– هناك من يقول إن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران واقعة لا محالة وإن نتيجتها محسومة سلفاً لصالح أميركا و”إسرائيل” بسبب فوارق القدرات العسكرية للطرفين، ويسخر أصحاب هذا الرأي من كل مَن يدعو للتريث قبل إصدار أحكام قاطعة حتى لو استعار الداعي للتمهل كلام وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو الذي قال أمام لجان الكونغرس إن الأفضل هو عدم وقوع المواجهة العسكرية، لأنها مليئة بالمخاطر أمام ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يصعب تعطيلها والقضاء على التهديد الذي تمثله، وهناك مَن يقول بسبب هذه المخاطر إن الحرب لن تقع لأن الذين يريدون وقوع الحرب شرط أن تكون أميركية إيرانية حصراً، هم قادة “إسرائيل” الذين استعانوا بوساطة روسية فشلت في تحقيق أهدافها بتحييد “إسرائيل” عن أي حرب أميركية إيرانية، وربما يضمّ إلى الإسرائيليين بعض اللبنانيين تمنياتهم أملاً بأن تسير الحرب وفق تمنياتهم وأن تصيب شظاياها حزب الله.
– الحروب لا يخوضها أصحابها لتلبية أحلام وتمنيات المتفرّجين، وأول مَن يعلم كلفة الحرب إيران و”إسرائيل”، باعتبار الجغرافيا مستبدة والأرض والمنشآت والبشر في دائرة الاستهداف ولا فرصة لإبعادهم عن مرمى النيران، وهذا ما تستطيعه أميركا إذا قرّرت حرباً عن بُعد وأخلت المنطقة من أدوات الاستعراض التي جلبتها وأخلت قواعدها الواقعة في المرمى الإيراني، لكن مشكلة أميركا هي “إسرائيل” التي ترفض إيران تحييدها من تداعيات الحرب حتى لو لم تشترك فيها، والوقائع التي نجمت عن الجولة الأولى من الحرب في حزيران العام الماضي تقول بأن ما تستطيع أميركا و”إسرائيل” أن تفعلاه بإيران معاً هو ما فعلته إيران بـ”إسرائيل”، ونظراً إلى فوارق الأحجام بالسكان والمساحة، ونجاح إيران بمواصلة الحرب لمدى زمني أوسع من قدرة “إسرائيل”، سوف تبدأ الحرب بخسائر إيرانية قاسية لكنها سوف تنتهي بخسائر إسرائيلية لا تحتمل.
– لذلك لا تخاطر أميركا بالحرب قبل اكتمال الحسابات التي تضمن عدم حدوث ذلك، وقرار الحرب يرتبط في واشنطن بالتحقق من عدة أشياء، الأول القدرة على شلّ الدفاعات الجوية الإيرانية طيلة مدة الحرب وليس في ساعاتها الأولى فقط، كما حدث في حرب حزيران، الثاني ضمان النجاح في قتل كبار القادة الإيرانيين في الساعات الأولى للحرب، للاستفادة من الإرباك الناجم عن الصدمة حتى لو تمّ تعيين بدائل سريعاً، والثالث التحقق من فعاليّة أجهزة الاتصالات المستخدمة من مجموعات العمل داخل إيران بما تعجز إيران عن تعطيله، كما فعلت مع أجهزة ستارلينك في الجولة الثانية من الحرب التي أجهضتها إيران قبل وقوعها، والرابع هو تدمير قدرات صاروخيّة إيرانية هامة في ساعات الحرب الأولى لجعل قدرة إيران على مواصلة الحرب أقل بكثير مما كانت في نهاية الجولة الأولى في حزيران، والخامس هو التحقق من أن الدفاعات الإسرائيلية قادرة على تأمين خدمة مستدامة حتى نهاية الحرب ولا يكون خطر نفاد صواريخ الدفاع الجوي وضعف فعاليّتها سبباً لوقف الحرب كما في جولة حزيران، السادس ضمان عدم وجود خطر اجتياز الحدود من الشمال بما يربك الأمن الداخلي لـ”إسرائيل”، والسابع ضمان عدم إقفال مضيق هرمز ومضيق باب المندب والتسبب بتعطيل سوق الطاقة العالمي ولا سبيل لذلك إلا بشل البحرية الإيرانية والقدرة اليمنية عن التحرّك كلياً، والثامن ضمان عدم تكبّد خسائر جسيمة لا يحتملها المجتمع الأميركي في السفن والقواعد الأميركية وما يعنيه ذلك من حاجة لإدارة الحرب عن بُعد وضمان تحقيق الفاعلية اللازمة بدون كل الحشود التي يجري تجميعها كأهداف سهلة لإيران إذا نشبت الحرب.
– كلام روبيو أمام لجان الكونغرس وما نشرته الصحف الأميركية عن عدم قدرة “إسرائيل” على تحمل تداعيات الحرب، ومضمون الوساطة الروسية لتحييد “إسرائيل”، وقائع يصعب تجاهلها لجهة الإشارة لعدم إنجاز هذه الضمانات المطلوبة لشن الحرب، ما يضع التصعيد الحاصل حتى الآن في دائرة التصعيد التفاوضي ما قبل الانتقال إلى التصعيد الحربي، الذي قد يحدث لكن إشاراته تكون مختلفة، وأولها إخلاء البحر والبر من الوجود الأميركي القابل للاستهداف من إيران والواقع ضمن مدى نيرانها، والثاني تفاهم أميركي روسي وأميركي صيني كبير، يضمنان تجريد إيران من ظهير تكنولوجي عسكريّ فعال، يزيد قدرات إيران التي لا يُستهان بها في مجال تكنولوجيا الاتصالات والحرب الإلكترونية والسيبرانية، واستدراج العروض التفاوضية جار على قدم وساق عبر إشعار دول المنطقة بأنها سوف تكون في دائرة النار ما لم تتحرّك لتفادي وقوع الحرب، وهي تفعل المتوقع منها، مفترضة أن تحرّكها ليس ضمن جدول أعمال الحشود الحربية.
ناصر قنديل
