President Donald Trump listens during a meeting with state leaders about prison reform, Thursday, Aug. 9, 2018, at Trump National Golf Club in Bedminster, N.J. (AP Photo/Carolyn Kaster)


ما بعد الانتخابات النصفية ليس كما قبلها
حسن علاء الدين

أقلّ من عشرة أشهر تفصلنا عن الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأمريكية التي ستجري في تشرين الثاني المقبل. يعوّل الكثيرون على هذه الانتخابات التي يعدّونها مفصليّة، إذ قد تقيّد إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب وتكبح جماحها الذي تجاوز حدود المعقول.

المشهد السياسي في الولايات المتحدة

تمكّن الحزب الجمهوريّ بقيادة دونالد ترامب من الحصول على أغلبية أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ في انتخابات عام 2024 إلى جانب الفوز بمنصب الرئاسة، ممّا مكّن ترامب من الإمساك بالواقع السياسي العام في الولايات المتحدة وسهّل عليه تطبيق برنامجه دون عراقيل أو معوّقات تُذكر.

يسعى الحزب الديمقراطي إلى قلب المعادلة في الكونجرس في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني حيث سيقوم الناخبون الأمريكيون بإعادة انتخاب كامل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ. ويحتاج الديمقراطيون إلى اكتساب ثلاثة مقاعد إضافية فقط في مجلس النواب من أجل تأمين الأغلبية وإلى أربعة مقاعد في مجلس الشيوخ الذي ستكون عملية السيطرة عليه أكثر تعقيدا وصعوبة.

لماذا تراجعت شعبية ترامب؟

تُظهر مختلف استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تراجعا واضحا في شعبية الرئيس ترامب والحزب الجمهوري وتصدّعا خطيرا في قاعدتهما الشعبية. فبالإضافة إلى التراجع الطبيعي والمعتاد الذي يتعرّض له أيّ حزب حاكم في الدولة، ثمّة عوامل عدّة محورية أدّت إلى تزعزع ثقة الناخب الأمريكي بالرئيس وحزبه.

لقد بنى ترامب حملته الانتخابية على قاعدة التركيز على المواطن الأمريكي ومعيشته، فوعد الأمريكيين بإنهاء الحروب والتخلّي عن الاهتمامات والأجندات الخارجية في سبيل تركيز الجهود على الداخل الأمريكي. كما وعد الناخبين بتحسين مستوى المعيشة وخفض الأسعار ومعالجة معدّلات التضخّم المخيفة التي باتت تؤرق ملايين الأمريكيين.

وبعد تربّع ترامب على “عرشه”، وبعد مرور أكثر من عام على تولّيه الحكم، اصطدم الناخب الأمريكي بجدار الواقع المرّ. فالرئيس الذي يريد إنهاء الحروب وتغيير السياسة الخارجية القائمة على التدخل في شؤون الآخرين يغزو فنزويلا ويقصف إيران ويهدد كوبا وكولومبيا والمكسيك ويسعى إلى ضمّ غرينلاند مفتعلا أزمة مع حليفته التاريخية أوروبا. والرئيس الذي يريد إصلاح الاقتصاد يشعل أزمة اقتصادية عالمية بإشهاره سيف الرسوم الجمركية في وجه الحلفاء قبل الخصوم، ويدير أزمة الديون والتضخّم بأسوأ طريقة ممكنة. كما إن فضائح ملفات إبستين وإطلاق يد إدارة الهجرة والجمارك وما رافق ذلك من مواجهات مع المواطنين الأمريكيين ساهمت في زيادة الشرخ في القاعدة الجماهيرية وانقلاب الرأي العام.

استشعار الخطر

يُدرك الحزب الجمهوري حساسية الموقف ويعلم أن الديمقراطيين سيلقون بكل ثقلهم لاستعادة السيطرة على مجلسَي الكونجرس مستغلّين كلّ ثغرة أو زلّة تصدر عن إدارة الرئيس ترامب. وهذا ما دفع ترامب نفسه إلى التصريح أمام أعضاء مجلس النواب الجمهوريين مؤخّرا بضرورة الفوز في الانتخابات النصفية، وحذّرهم من خطر قيام الديمقراطيين بمحاولة عزله في حال حازوا على الأغلبية.

يدّعي البعض أن كلام ترامب هذا يهدف إلى شحذ همّة الحزبيّين وزيادة نسبة المشاركة في الانتخابات، إلا أن صدور كلام كهذا من شخصية يصفها كثير من المتخصّصين بالنرجسيّة يدلّ على مدى خطورة الموقف وهشاشة وضع الجمهوريين الانتخابي. فلا يمكن لشخصية تدّعي التفوّق الدائم مثل ترامب الاعتراف بإمكانية الفشل إلا في حال كون الموقف سيئا للغاية.

ماذا لو ربح الديمقراطيون؟

إذا تمكّن الديمقراطيون من السيطرة على الكونجرس، قد نكون أمام ما يشبه المرحلة المعروفة في عالم السياسة ب”البطة العرجاء”، حيث يفقد الرئيس وحزبه جزءا مهما من نفوذهما السياسي وقدرتمها على التحكّم المطلق بالقرار. وسيتمكّن الديمقراطيون عندها من عرقلة برنامج ترامب وفرض خياراتهم في التشريع وصولا إلى فتح تحقيقات العزل ضد ترامب كما فعلوا معه مرتين مسبقا.

صحيح إن إدانة الرئيس وعزله يحتاجان إلى ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو أمر بعيد المنال، وصحيح أيضا إن صلاحيات الرئيس تبقى كما هي حتى لو خسر حزبه الأغلبية في الكونجرس، إلا أن لخسارة الانتخابات وما يترتب عليها من نتائج أثرا معنويا وسياسيا كبيرا. فالرئيس الذي يستند إلى أغلبية برلمانية ويحظى برضا شعبي واسع يختلف كثيرا عن الرئيس الذي يواجه أغلبية تقوّض سيطرته على المشهد السياسي ويواجه تحقيقات قد تفضي إلى عزله. والرئيس الحاكِم لا يشبه بشكل من الأشكال الرئيس المحاكَم.

الهدف هو السيطرة والضحية العالم بأسره

بناء على ما تقدّم يمكننا فهم ما قام به ترامب في الأشهر الأخيرة وفهم ما سيقوم به في الأشهر المقبلة التي تفصلنا عن الانتخابات. فهو يسعى إلى كسب ما خسره في الشارع الأمريكي من خلال القيام بأي شيء في سبيل خفض تكاليف المعيشة وتحقيق أي صورة نصر حتى لو أفضى ذلك إلى غزو دولة أو تهديد أخرى أو فكّ تحالفات، وذلك من أجل الحدّ من خسائره في الانتخابات. وفي الوقت نفسه يسعى إلى استغلال كل لحظة من الوقت المتبقي له كرئيس مطلق الصلاحيات ومبسوط اليد في حال خسر الانتخابات وواجه معارضة حاسمة في الكونجرس.

وعليه لا يمكن لأحد التنبّؤ بما سيقوم به “ملك” الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، إلا أن المتوقّع إنه سيكون في أعلى درجات الشراسة والعنف في سبيل حماية عرشه المهدّد. لذا قد نراه يبطش هنا ويغزو هناك ويفرض رسوما ويعيد رسم خرائط ضاربا عرض الحائط كل الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية، وغير مبال بمصلحة حلفائه التاريخيين الذين قد ينالون حصّة الأسد من سوء عُمر سلطانه.

قد تكون الأشهر المقبلة صعبة وبالغة الحساسية قبل معرفة ما ستؤول إليه الأمور في الولايات المتحدة، إلا أن هذا أمر طبيعي ومتوقّع عندما تتجاوز قوّة عظمى ذروة هيمنتها وتسلك مسارا انحداريا وتبدأ في فقدان السيطرة على مفاصل القرار في العالم. فالسؤال في الولايات المتحدة لم يعد كما كان سابقا: “كيف نتفادى السقوط؟”، بل أصبح: “كيف نُدير عملية السقوط بأقل كلفة ممكنة؟”.