في انتظار البرابرة .. وبعد ؟

كتب مروان عبد العال في مفكرة الهدف

لسنا أبناء ذكرى، بل أبناء صراع مفتوح مع الزمن. في التجربة الفلسطينية، لا تُمنَح الولادة مرة واحدة، ولا تُعلّق على جدار التاريخ بوصفها لحظة منتهية، بل تُنتزع انتزاعًا، وتُعاد صياغتها كلما حاولت الهزيمة أن تتحوّل إلى قدر. هنا، لا معنى للذاكرة إذا لم تُختبر في الفعل، ولا قيمة للتاريخ إذا لم يُستدعَ كسلاح في معركة الحاضر.
في قصيدة «في انتظار البرابرة» لكفافيس، لا يقف الناس على تخوم الخطر، بل على تخوم العجز. الانتظار هناك ليس موقفًا بريئًا، بل ممارسة سياسية كاملة: تعطيل الفعل، تجميد الإرادة، وتأجيل المواجهة باسم الخوف. البرابرة ليسوا سوى ذريعة، لأن السلطة التي تحتاج عدوًا متخيّلًا كي تبرّر وجودها هي سلطة خاوية، تعرف في قرارة نفسها أنها عاجزة عن إنتاج البطولة. من ينتظر البرابرة لا يحتمي منهم، بل يتدرّب على الإبادة، ويهيّئ نفسه لقبولها حين تقع.
في فلسطين، يوم انطلقت الثورة لم يكن خيار الانتظار متاحًا أصلًا. ومنذ لحظتها التأسيسية، قدّم المؤسسون جوابًا مغايرًا: الوحشية لا تُروَّض، ولا تُسترضى، ولا تُهزم بالحياد، بل تُواجَه وهي تخشى البطولة. حين قرّر جورج حبش ورفاقه أن الثورة لا تُستورد من الآخرين ولا تُفوَّض الا من شعبها، انكسر منطق التعليق، وانتقلت الجبهة من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل التاريخي الواعي. لم يكن التأسيس بيانًا تنظيميًا، بل إعلان قطيعة مع سياسة إدارة الهزيمة.
عرف وديع حدّاد أن الشجاعة ليست خطابة، بل قرارًا استراتيجيًا طويل النفس، وأن العدو لا يُواجَه فقط حيث يتوقّع، بل حيث يشعر بالأمان، انه وراء العدو في كل مكان. وفي هذا السياق، كتب غسان كنفاني أدب الاشتباك لا بوصفه ترفًا ثقافيًا، بل كجزء من المعركة: تفكيك السردية الصهيونية، وجعل الرواية الفلسطينية كرواية تحرّرية حقيقية، وفضح بنية القهر الاستعماري، بكل ادواته المحلية والإقليمية والعالمية، وإعادة بناء الإنسان الفلسطيني كفاعل واعي، وضحية ايجابية لا كضحية سلبية. هناك، يصبح السير بين رصاصتين فعلًا واعيًا، لأن البديل هو العيش في زمن معلّق بانتظار إذنٍ من البرابرة!
غزّة اليوم ليست استثناءً، بل ذروة هذا الصراع. إنها صورة فلسطين ووجدانها امام العالم الوحشي في أكثر حالاته انكشافًا. الوحشية الإمبريالية، وقد بلغت أقصى درجاتها، تعرف أدواتها جيدًا: تفوّق ناري أعمى، طغيان فاشي، صمت دولي منظّم، وعجز أخلاقي مريع. لكنها تعرف أيضًا أن هذه الأدوات، مهما بلغت شراستها، لا تنتج شرعية ولا تصنع تاريخًا. الإبادة قد تُراكم الجثث، لكنها تعجز عن كسر إرادة شعب قرّر ألا ينتظر.
أن نكون في «انتظار الولادة» لا يعني ان نكون في «انتظار البرابرة»، بل الاشتباك الدائم مع شروط الواقع لتغييره وليس الاستسلام له. إدراك بأن الثورة لا تُورَّث كنصّ مقدّس، بل يُعاد صياغتها في كل مواجهة. الانطلاقة ليست مناسبة احتفالية، بل امتحان سياسي وأخلاقي متواصل. تؤكد حق مقاومة الاحتلال حق مُصان في القانون الدولي ، لشعب يرفض الخنوع والتراخي ونقيض جنود كفافيس: لا نقف في الساحات نعدّ الغائبين، بل نتمركز على خطّ الواجب، حيث تُصنع المعاني تحت النار.
لهذا كانت ولادة. لأن النكبة لم تكن خسارة جغرافيا فقط، بل سقوط منظومة كاملة من الأوهام. ولأن هزيمة حزيران لم تكن كبوة عسكرية، بل لحظة كشف تاريخي لانهيار خطاب الحياد والفرجة والتّرقُب. عند هذه النقطة، لم يعد ممكنًا إعادة تدوير الهزيمة، فكان لا بدّ من ولادة جديدة تُعيد تعريف الهدف والوسيلة والدور.
من ولادة حركة القوميين العرب كرد عربي على نكبة 1948، إلى ولادة الجبهة الشعبية كردّ ثوري على هزيمة 1967، الى الحزب السياسي المقاتل، ظلّ المسار واحدًا: كسر منطق الانتظار، ورفض تحويل الهزيمة إلى نمط حياة. هذا التحوّل لم يكن تطوّرًا تنظيميًا، بل إعادة خلق للذات الثورية في مواجهة نظام عالمي أراد إخضاع فلسطين لمنطق الإبادة الصامتة.
بهذا المعنى، لا تُستدعى الانطلاقة كذكرى احتفالية، بل كسؤال يُحرج الحاضر: هل ما زلنا قادرين على الولادة تحت النار، أم عدنا إلى انتظار البرابرة؟ هذا السؤال وحده ما يبقي الثورة حيّة، ويمنع التاريخ من أن يُغلق صفحته باسم الواقعية أو التعب أو الخوف.

في مجلة الهدف: عدد ديسمبر / كانون أول، العدد (1552) بالتسلسل العام والثّامن والسّبعون رقميًا