في رثاء الأمهات: عن «أم نضال» أبو عكر
«هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، هي تخلّف وفلسطين تأخذ» ـــــــــ غسان كنفاني، «أم سعد»
تُعرّف الأمهات بأبنائهن، ويُعرف الأبناء بأمهاتهم، معادلة لا تسندها قواعد التأويل المدرسي، ولا تقرّها مناهج التفسير الصارمة، غير أنّ التجربة الإنسانية، بما تحمله من صدقٍ عارٍ، تثبتها مراراً، كما يؤكدها الرحيل ويشير غالباً بدقّتها.
كأبناء لهذه البلاد، عرفنا أم نضال بأبنائها. عرفناها، وعرفها أهل فلسطين، من صور أبنائها، شهداء وأسرى. بثوب مطرز، يحمل إرث بلاد يرفض المصادرة والإلغاء، تحمل صورهم، وتتنقل بها أمام مقرّات الصليب الأحمر، عدسات الصحافة، خيام الاعتصام، ومسيرات التضامن. تقود مسيرات الغضب والتحدّي واللعنة على مَن نهب بلادنا وقتل أهلنا من الفرنجة، وعلى مَن تواطأ معهم ومَن خان من أبناء جلدتنا.
هكذا صارت، أم نضال، أمّاً للمخيّم. وحتى لحظة رحيلها، ظلت كعادتها وعلى عهدنا بها، ترفض أن يكون الخنوع والانحناء أبناء لها. ظلّت ترفض أن يكون المخيّم مجرّد شاهد آخر على نكبتنا وخساراتنا فقط. فمعها، وبها، وبأمثالها من الأمهات، صار المخيّم معسكراً للانطلاق في عودتنا، صار المخيّم شوكة في حلق الغزاة، وصار حقل ألغام ينفجر كل يوم في وجه مَن أراد مسح ذاكرتنا وإلغاء وجودنا. كانت، كأم سعد، «قوية كما لا يستطيع الصخر، صبورة كما لا يطيق الصبر». ومعها، وبها، وبأمثالها من الأمهات، أصبحت «خيمة عن خيمة تفرق» عقيدةً كفاحية وبوصلة وجودية. ففي صفاء رؤياهن ووضوح أرواحهن أصبحت الثورة «جزءاً لا ينفصم عن الخبز والماء وأكف الكدح ونبض القلب».
«تبحث عن أول سن تجرح من أجل قضية»، فعضة رضيعها ثأر مؤجل، «الدرس الأول للثوار»، كما وصف مظفر النواب. ترضعهن حب البلاد وواجب الانتقام. هذا أول حب وأول عشق وأول درس في الندّية، مهما تكاثر المنبطحون الذين ظنّوا بأنهم يمسحون آثار بساطير الغزاة من على وجوههم حين امتهنوا الانحناء ولعق الأحذية.
فحبّ الوطن عند أم نضال، الأم الفلسطينية، كان، وسيظلّ، وتداً للعائلة، ومرفأ يمنع رياح العدو من شراع سفينتنا. سمعنا باسمها صغاراً حين تعرّفنا إلى نوع جديد من الرصاص: الدُمْدُمْ. رصاص متفجّر استقرّ في جسد ابنها الشاب الشهيد محمد. ربما بفعل تميمة، ربما. أو، ربما بفعل كلمات هي وحدها فقط تعرفها، كانت تقرأها على مسامعه وهو في غيبوبته، تشبّث محمد شهوراً بالحياة، حتى سمّي «الشهيد الحي» و«الشهيد العجيب». اقترب من حدود الموت مراراً وكثيراً ثم عاد، وكأن له في هذه الدنيا شيئاً يريده منها قبل أن يرحل. نازع الموت حتى تأكد من مجيئ مَن يحمل الإرث ومَن يكمل الطريق.
فكان محمد الثاني، ولداً جديداً لشقيقه نضال، يصرخ مع أنفاسه الأولى من ثقل التاريخ الذي حمله على كتفيه، تاريخ مخيّم، ووطن، وحسرات المخيّم، والوطن. يصرخ مع أنفاسه الأولى وعداً وعهداً لعمّه وسميّه الشهيد محمد الذي رحل شهيداً مع صرخة الولادة الأولى. رحيل آخر جمع الولادة في قلب المخيّم. أمّا نضال (شقيق محمد وأبو محمد)، رفيقنا وزميلنا في الدراسة الجامعية، فتَغَيَّرَ اسمه مع الرحيل ومع الولادة، وكبر، وكبرت مسؤولياته. عرفه الناس بأمّه وعرفوا أمّه به، تصديقاً للقاعدة.
كانت تبتسم كعادتها رغم المرض وطول الانتظار، فيما يحفر نضال قصّتها على جدران الزنازين: قصّة أم فلسطينية، حلمت بالعودة، فجعلت من جسدها وأجساد أبنائها وأحفادها جسراً لها
زرعت أم نضال في محمد ونضال حُسنَ المنطق، والكثير من سموّ الأخلاق ودماثة الطبع، والأدب، والتواضع، وأيضاً عشق الوطن حدّ الشهادة. يكبرنا نضال قليلاً في العمر وكثيراً في الأحمال بفعل سنوات طويلة قاربت العشرين تركها أرقاماً على جدران أقبية التحقيق وزنازين الأسر. وفي لحظة ما كان نضال قد قضى أكثر من نصف عمره في الأسر. يصارع في مجلس طلبة جامعة بيت لحم على قرار لتعليق الدوام هنا من أجل طالب فقير مرّة، ومن أجل مسيرة ومظاهرة نصرة للأسرى والشهداء مرّات. يسير دائماً في المقدمة، حاملاً روحه على كفه: «إن لم أفعل أنا، وأنت، وهو، فمَن سيفعل؟». بيننا هو أحدنا، طالب آخر كغيره من الطلبة، لكنه كان في أعيننا أكبر من ذلك بكثير. طالبٌ جامعي في النهار، عاملٌ في محطة الوقود مقابل مخيّم الدهيشة في الليل، وعاشقٌ مناضلٌ كل الوقت من أجل فلسطين.
تخرّجنا من الجامعة، وكذلك فعل. رحلنا نحن بحثاً عن سراب «رجال في الشمس» في صقيع الشمال، وبقي هو متجذّراً في فلسطين، يولد من جديد في كل مرّة يقبّل جبين أمّه بعد تحرّره من كل «سجنة». «سجنات» كثيرة، توقّف عن تعدادها، وقبلاتٌ كثيرة طبعها على جبين أمٍّ اعتلّ قلبها كلما امتلأ جدار الزنزانة برقم جديد لسنة جديدة تركها بكرها نضال على جدران الزنازين. عرفه الناس بأمّه، وعرفوا أمّه به.
دموع كثيرة وعذابات كثيرة أخفتها أم نضال، ابتلعتها حسرة لتُظهر ابتسامة عجز مرتزقة الأرض من سرقتها.
تنهّدت سرّاً كثيراً، حتى مزّق الانتظار قلبها وعقلها حين كسر نضال مرّة الرقم القياسي لأطول اعتقال إداري على الإطلاق. تنتظر نضال مرّة، وابنه محمد مرّات، وتناجي طيف الشهيد محمد ألف مرّة. بثوبها المطرّز، ظلّت تحمل تاريخ البلاد ووصايا الشهداء وأسيراً في الانتظار. جمعت الرحيل بالانتظار والولادة في كل مرّة، كما فعلت حين اعتلت البسمة الحسرة وغطّت ثوبها المطرّز على خساراتنا الكبرى. وُلدت تحلم في «رأس أبو عمار»، بلد اقتلعت منه يوم نكبتنا، فصمّمت على العودة طال الزمن أم قصر، أو تموت في الطريق إليها.
للرحيل موعد إذاً، ونظنّ أنّ الله تعالى ترك للأمهات فقط، وحدهن دون غيرهن، هامشاً في تقرير هذا الموعد. نكاد نجزم أنها قرّرت الرحيل فقط حين علمت أن قُبلتها الأخيرة على جبين نضال الأسير اقتربت. خرج نضال قبل أيام فقط حرّاً من الزنزانة إلى المستشفى حيث كانت ترقد تصارع الموت في انتظاره. طبع على جبينها القبلة الأخيرة، لترحل بسلام وطمأنينة وتودّعه بابتسامة المنتصر. ففي كل رحيل، وفي كل قبلة على جبين أم أسير تحرّر، ولادة جديدة.
كانت تبتسم كعادتها رغم المرض وطول الانتظار، فيما يحفر نضال قصّتها على جدران الزنازين: قصّة أم فلسطينية، حلمت بالعودة، فجعلت من جسدها وأجساد أبنائها وأحفادها جسراً لها. هكذا صار العمر كلّه نفقاً للنور في أقبية التحقيق وزنازين الأسر وقبور الشهداء، ينير درب المخيّم والقرية، والمدينة، ويضيء كل فلسطين. هكذا صار عمرها كله، وأعمار أبنائها وأحفادها جسراً إلى بلدتها «رأس أبو عمار». ظلّت ابتسامتها رمزاً للنضال والصبر في حارات وشوارع مخيّم الدهيشة، تنشر المزيد من الأمل مع كل حاجز تكاثر في بلادنا الممزّقة.
قاوَمَت كثيراً، صبرت كثيراً، وتحمّلت كثيراً، لكنه جسد واحد فقط لموت كثير، وتعب كثير، وعذاب كثير، وأحمال هائلة. أم نضال، أمنا، أم فلسطينية، مثلها لا يرثى، ثوبها لا ينسى. بسمتها التي سرقتها من جبال الحزن والتعب ما تزال، وستبقى، ترسم لنا الطريق لنعبر. وقسماً سنعبر، أو ستكون أجسادنا وأجساد أبنائنا وأحفادنا، وكل مَن يأتي بعدنا، جسوراً حتى يصل منّا مَن سيصل حتماً إلى فلسطين، أو نموت جميعاً في الطريق إليها.
أم نضال، أم فلسطينية، أمّنا، وأم كل مناضل وأسير وجريح وشهيد، نسي نفسه وتناساها ليحمل على ظهره حلم والدته، وحلم أهله، وحلم شعبه بالعودة والتحرير. وقسماً سنعود. فمَن عرف أم نضال يعرف: حتى لو استطاعوا قتلنا جميعاً وظلّت أم فلسطينية واحدة على قيد الحياة، فإنّ أطفالها حتماً سيحرّرون الأرض.
أم نضال، «مالكة أبو عكر»، كأمّهاتنا جميعاً، تُعرف بأبنائها، الشهيد منهم والأسير. رفيقنا نضال ورفيقنا الشهيد محمد، مثلنا جميعاً، يُعرفون بأمّهم كما يُعرف الأبناء بابتسامة أمّهاتهم، ابتسامة تخفي ثقل الألم الهائل، وحزناً عظيماً يشحذ الأبناء بحبّ الوطن، وبالإصرار على المقاومة والنضال والعناد الذي يليق بشعب عظيم وجميل أراد له عالم الوحوش والمنافقين الإبادة والنسيان، حتى وقفت الأمهات بأثوابهن الفلسطينية المطرزة، يقدّمن أنفسهن وأبناءهن وأحفادهن، الواحد تلو الآخر، قرابين على طريق القدس، بابتسامات جميلة واثقة، تحمل الكثير من التحدّي وثقة مطلقة بالنصر: على جثثنا أيها الأوغاد.
صبيح صبيح/ باحث فلسطيني في علم الاجتماع
د.سيف دعنا /كاتب عربي
