بمناسبة الذكرى السنويّة السادسة لاستشهاد الحاج قاسم سليماني ورفاقه ، عُقِدَ في بيروت 6/1/2026، لقاء سياسي حاشد بدعوة من لجان العمل في مخيّمات لبنان ومركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجيّة، تحت عنوان : (الثائر الأممي قاسم سليماني: السيرة والمسيرة في ظلّ التحوّلات الإقليميّة والدوليّة)

وذلك بحضور ممثّلي أبرز الفصائل الفلسطينية والأحزاب اللبنانية، وسعادة القائم بأعمال سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان، وحشد من الشخصيات السياسيّة والفكريّة والأكاديمية. وقد تولّى التعريف بالمُتَحدّثين الكاتب والإعلامي الفلسطيني الأستاذ حمزة البشتاوي.
ثم تحدث في اللقاء الرفيق مروان عبد العال عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مداخلة هذا نصها:
أتوجه بالشكر العميق إلى الجهة المنظمة لهذه الندوة في الذكرى السنوية السادسة لاستشهاد القائد قاسم سليماني ورفاقه، لا بوصفها مناسبة عاطفية، بل باعتبارها لحظة وعي حقيقي للصراع، ونحن لا نعيش هامش الصراع، في قلب بل ذروة الصراع، اللحظة الراهنة ليست انتقالًا سياسيًا ولا مرحلة تفاوض، بل نقطة انكشاف نهائي لبنية المشروع الصهيو/إمبريالي: إمّا إخضاع كامل، أو مقاومة كاملة، سقطت الأقنعة، ولم تعد الإمبريالية قادرة على إدارة الهيمنة بالمواربة؛ أو استراتيجيات العمل الغير مباشر، بل انتقلت إلى العنف الصريح، وإعادة إنتاج الاستعمار باشكال جديدة.

المقاومة بوصفها قراءة مبكرة لبنية المشروع الصهيو/إمبريالي، وتمركز فلسطين و القدس في قلبه، الحاج قاسم سليماني كان ذلك القائد الاستثنائي لم يواجه الوقائع بعد وقوعها، من وراء العدو في كل مكان إلى أمام العدو في كل الجبهات، لذلك كان محارباً عابراً للحدود مستشعراً للظلم أينما كان ، واستباقيٌ في المواجهة استشرف القادم من المشاريع الصهيوإمبريالية قبل أن تتجسد، وأدرك أن فلسطين، ومركزها القدس، هما محور الصراع في المنطقة، وأن الهدف الدائم للعدو هو إخراج الفلسطيني من معادلة التاريخ والسياسة والحق والوجود إن استطاع، من هذا المنطلق، يصبح استحضار تجربته استحضارًا لمعنى وجدوى ودلالة المقاومة كفعل وعي وإدراك، لا مجرد ردّ فعل.
نلتقي اليوم في لحظة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، لحظة يُعاد فيها طرح مشروع أميركي جديد لغزة، لا باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني، بل ككيان خاص يُدار تحت وصاية أجنبية مباشرة، هذا المشروع لا يهدف إلى إنهاء الحرب، بل إلى استكمالها سياسيًا، عبر إخراج فلسطين من المعادلة الإقليمية والدولية، وتحويلها من قضية تحرر وطني إلى ملف أمني–إغاثي قابل للإدارة والاحتواء، إنها صورة جديدة للسيطرة على المنطقة، أكثر نعومة في الشكل، وأشد خطورة في الجوهر، إخراج غزة من المعادلة ثم إخراج فلسطين من المعادلة، ليس وصاية دولية بل أمريكية .
رؤية المقاومة هي تشكيل لجنة إدارة وطنية مهنية مؤقتة في غزة من شخصيات نزيهة من أبناء القطاع، لإدارة المرحلة الانتقالية فلسطينية بالكامل، بعيدة عن مشاريع الوصاية أو الترتيبات البديلة، وعليه نرفض أية وصاية دولية تُشرعن الاحتلال أو تُفرض على غزة أو الضفة. تعمل بتنسيق مع المؤسسات الوطنية ومرجعية فلسطينية .والمطلوب من الجميع صياغة خطاب وطني لاسقاط التفسير “الإسرائيلي” للقرار 2803. مثل إبقاء الخط الأصفر خطاً فاصلاً ودائماً، بين شرق القطاع وغربه، والحديث عن «المنطقة الخضراء» التي ما زالت تحت الاحتلال.والدعوة إلى ان اي تشكيل للـ قوة الدولية من دول عربية وإسلامية تنتشر على خطوط التماس فقط، فيما تتولى الشرطة الفلسطينية إدارة الشأن الأمني داخل المدن. وتؤكد أن سلاح المقاومة قضية سياسية تُحلّ بالتوافق الوطني، وليس جزءاً من اشتراطات الاحتلال أو ضماناته.
ربط مشاريع غزة بمسار التطبيع، والضم، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية ضمن أمن الكيان، هذا المسار ليس معزولًا عن الصراع، بل هو امتداد مباشر لموجة التطبيع، والهجوم الاستيطاني على القدس، وضمّ الجولان، وتوسيع دولة الكيان، ومحاولات ضم الضفة الغربية وتصفية وجود المخيمات فيها، ضمن خطة حسم الصراع في المنطقة وهندسة الإقليم على مقاس الأمن الإسرائيلي، إنها تسوية بلا دولة، وسلام بلا سيادة، واحتلال بلا قيود، في إطار مشروع إقليمي تقوده دولة عظمى وتدور في فلكه أنظمة تابعة، تحت مسميات متعددة: من «الحلف الإبراهيمي» إلى «الشرق الأوسط الجديد».
خلعت الامبريالية كل اقنعتها عن وجها البشع ، وظهرت عقيدة ترامب إمبريالية العصابات، والتي تحل محل النيوليبرالية والعولمة كأسلوب أمريكي في حكم العالم من فنزويلا، وكوبا، وإيران، واليمن، ولبنان. وحين يتقمّص الجلاد دور الحاكم،ويُطلب من الضحية الاعتراف بشرعية جلادها، انها عقيدة ترامب لإعادة إحياء الإمبريالية ووقف تراجعها؛ فعندما تعجز الإمبريالية الأميركية عن الإخضاع بالقوة الناعمة، إنّ الإمبريالية الأميركية مُنهَكة ومتمدّدة أكثر من طاقتها. فهي تحاول مدّ أذرعها نحو إيران وفنزويلا، فيما لا تزال عالقة في أوكرانيا، وفلسطين المحتلّة ولبنان ، وتتمدّد، عبر الوكلاء، في أفريقيا وآسيا. إنّ أيّ انتصار يُحقَّق على الإمبريالية هو انتصار على جميع الجبهات.
نذكّر أن غسان كنفاني كتب عام 1972: «لقد ألقت الإمبريالية بجسدها فوق العالم: رأسها في شرق آسيا، وقلبها في الشرق الأوسط، وشرايينها تمتدّ إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية. أينما تضربها تُلحق بها الضرر، وتخدم الثورة العالمية.».
المقاومة والوحدة كضرورة تاريخية في مواجهة مشروع الإقصاء والاستئصال، من هنا، تصبح المقاومة ضرورة تاريخية لا خيارًا سياسيًا، عبر موقف موحّد يرفض الوصاية الأميركية على المنطقة والعالم. وتبقى فلسطين العقدة المركزية في هذا الصراع، لأنها تكشف جوهر المشروع: حرب استئصال لا تستهدف فصيلًا أو برنامجًا سياسيًا، بل الإنسان الفلسطيني ذاته.
فالدم الذي يُسفك لا يحمل بطاقة فصائلية؛ يُستهدف لأنه فلسطيني. وحده خطاب وطني موحّد، ورؤية جامعة، ووحدة بوصفها ضرورة استراتيجية. فلسطين لا تُقصى من المعادلة لأنها المعادلة، ومن يراهن على إخراجها يراهن على وهم. واجبنا اليوم أن نكسر مشروع الإقصاء الشامل، وفاءً لدم الشهداء، وصونًا للمعنى، وحمايةً لمستقبل وحرية شعوب الأمة، الذي لا يُكتب إلا بفلسطين. فان خيرنا بين الاخصاع الكامل والمقاومة الكاملة ، نحن مع المقاومة الكاملة .


الهدف
