نظرية المؤامرة بين السخرية والحقيقة: حين يتحوّل الوعي إلى تُهمة
بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى
كلما تحدّثنا عن نظرية المؤامرة، وُوجهنا باتهامات جاهزة: الجنون، المبالغة، تعظيم الأمور، أو العيش خارج سياق التطور والحداثة. وكأن مجرد الإيمان بوجود ترتيبات خفية أو مصالح موجهة للأحداث العالمية أصبح دليلًا على التخلف.
ولو عدنا إلى التاريخ، وتحديدًا إلى مطلع القرن التاسع عشر في العالم الغربي، لوجدنا أن فكرة “نظرية المؤامرة” ظهرت في سياقات سياسية وفكرية معيّنة، وكان يُراد منها أحيانًا تفسير أحداث كبرى أو تبرير سلوكيات سلطوية. ومع تطور الخطاب السياسي في الولايات المتحدة، تحوّل المصطلح تدريجيًا إلى أداة تُستخدم لتسخيف المعارضين أو التقليل من شأن من يحاولون إثارة وعي الشعوب.
عندما رُوّج لما سُمّي بالثورات الصناعية ومفهوم عصر الحداثة، بدأت تحولات اجتماعية عميقة مست بنية الأسرة والقيم التقليدية. أصبح الاعتراض على بعض التغييرات يُصوَّر على أنه تخلف أو جمود فكري. فمثلًا، من كان يعترض على خروج المرأة إلى بعض مجالات العمل التي يراها غير مناسبة، وُصف بأنه رجعي ويؤمن بنظرية المؤامرة. ومع أن الأم وُصفت قديمًا بأنها “مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق”، إلا أن التحولات المتسارعة دفعت باتجاه تغيير أدوار الأسرة التقليدية، وهو ما يراه البعض ضربًا للعمود الأساس في كل منزل.
ثم تعاظمت الفكرة تحت مسمى المساواة، التي تطورت لاحقًا إلى ما يُعرف اليوم بالنسوية. وعلى الصعيد الشخصي، لا أؤمن بمفهوم المساواة المطلقة، بل أؤمن بالعدل. فالمساواة التامة، من وجهة نظر بيولوجية وفيزيائية وحتى في بعض القدرات، لا تعني التطابق. ومن هنا يبرز السؤال: لماذا يُسوَّق لهذا المفهوم بهذه القوة؟ وهل هو تعزيز لقيمة المرأة فعلًا، أم إعادة تعريف لدورها بطريقة مختلفة عمّا عُرفت به تاريخيًا؟
وعلى صعيد آخر، عندما يُقال إن انتشار المثلية يشكّل خطرًا على تماسك المجتمعات، يُقابل الرأي بهجوم فوري، ويُصوَّر على أنه تعصب أو كراهية. لكن النقاش الحقيقي يدور حول مفهوم الحرية وحدودها. فالديمقراطية وحرية الاختيار لا تعنيان غياب الضوابط. الإنسان حر فيما يأكل ويشرب ويعتقد، لكنه ليس حرًا في إيذاء المجتمع. فمبدأ “تنتهي حريتك عند حدود حرية الآخرين” يظل قاعدة أساسية في أي مجتمع منظم. كما أن المجتمع لا يقبل أن يخرج شخص إلى الشارع عاريًا بحجة الحرية، لأن في ذلك تعديًا على الذوق العام وحدود الجماعة.
الخلط في مفهوم الحريات أصبح أمرًا كارثيًا بحد ذاته، خصوصًا عندما يُستخدم لتبرير ما لا يمكن قبوله اجتماعيًا أو أخلاقيًا. ومع تكرار السخرية من كل من يتحدث عن نظرية المؤامرة، ترسّخت صورة ذهنية بأن الإيمان بها تخلف ورجعية. عبارة مثل: “أنت ما زلت تفكر بهذه الطريقة؟” كفيلة بأن تدفع الإنسان إلى الشك في نفسه، وأن يشعر بأنه منفصل عن العالم أو غير منسجم مع مفهوم التطور.
ومع ذلك، فإن الإيمان بوجود مؤامرات لا يبرر التقاعس عن البحث عن حلول. بعض الفاشلين يعلّقون إخفاقاتهم على “أيدٍ خفية” تعبث بالعالم، ويتخذون من ذلك مبررًا للاستسلام. وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الترويض العقلي غير المباشر. فالإنسان مسؤول عن وعيه، ومطالب بفهم ما يجري حوله، لا أن يرمي فشله على نظريات — حتى لو كان مقتنعًا بصحتها.
عندما نقول إن نظرية المؤامرة موجودة، فنحن لا نكتب سطورًا يائسة ولا ندعو إلى التراجع خطوات إلى الوراء، بل نطالب بالبحث: من هي المنظومات المؤثرة؟ لماذا تعمل بهذه الطريقة؟ ما أهدافها؟ وكيف يمكن مواجهتها؟ وهل التمسك بالمبادئ والقيم أصبح عيبًا في زمن يُرفع فيه شعار الحرية لتبرير كل شيء؟
لقد أُجريت بحوث كثيرة حول مفهوم نظرية المؤامرة، وظهرت وقائع تؤكد وجود تخطيط وتنسيق في أحداث سياسية واقتصادية كبرى. غير أن المفارقة الأبرز تبقى في أن أقوى أدوات هذه الظاهرة هي إقناعك بأنها مجرد خيال، وأن من يؤمن بها إنما يعيش خارج سياق العقل.
“ليس أخطر من أن يُقنعك أحدهم بأن سؤالك جريمة، وأن بحثك عن الحقيقة علامة تخلف.”
الفكرة باختصار واضحة: الإيمان بوجود مؤامرات لا يعني الهروب من المسؤولية، كما أن السخرية من كل طرح نقدي لا تعني غياب المؤامرة. المطلوب هو الوعي، والبحث، وتحمل المسؤولية الفردية، وعدم السماح لأي خطاب — سواء كان خطاب تخويف أو خطاب استهزاء — بأن يصادر حق الإنسان في التفكير. الوعي لا يُبنى بالتهويل، ولا يُقمع بالاستهزاء، بل يتشكل حين يجتمع السؤال الصريح مع البحث الجاد.
