لم يعد سرّاً أن الحروب الحديثة لا تُخاض بالدبابات والطائرات وحسب، بل تُدار بـ “الهندسة الطائفية” وتفكيك المجتمعات من الداخل. ما تشهده الساحة السورية اليوم من تحركات تقودها أذرع مشبوهة ليس مجرد مناوشات إعلامية عابرة، بل هو منعطف جيوسياسي خطير، يُراد منه إحراق ما تبقى من الجسور الاجتماعية، وتحويل الصراع من قضية تحرر ورفض للاحتلال، إلى حرب هويات ضيقة تخدم مشروع التفتيت.
1. النموذج الجولاني: الابن البار للمظلة الصهيونية
الخطوة الأولى لفهم ما يجري تتطلب تفكيك ظاهرة “الاحتلال الجولاني”. إن هذا الكيان لم يكن يوماً نتاجاً لحراك وطني صادق، بل تكشف الأيام أنه إما ارتمى في أحضان “المظلة الصهيونية” لتثبيت أركان حكمه، أو أنه منذ البداية “ابنها البار” الذي وُظِّف لأداء مهمة محددة: تمزيق الجسد السوري.
اليوم، يُراد تعميم “النموذج الجولاني” بصفته الخيار الوحيد أمام بقية المكونات السورية؛ حيث يُساق المجتمع نحو معادلة خبيثة مفادها: “القبول بالتبعية للمشاريع الصهيونية مقابل الحماية الوهمية”.
2. الماكينات الإعلامية: البروباغندا وحرف بوصلة الصراع
في هذه المعركة، تلعب الماكينات الإعلامية الموجهة دور “قوات الصدمة”. إن الوظيفة الأساسية لهذه المنابر ليست نقل الواقع، بل إعادة تصنيعه عبر ضخ تحريض طائفي قذر وممنهج.
الهدف هنا استراتيجي بامتياز: حرف بوصلة الصراع. تحاول هذه الماكينات جاهدة تحويل المعركة من صراع شعب ضد قوى أمر واقع مستبدة وعميلة (كالاحتلال الجولاني)، إلى صراع أفقي بين المكونات السورية نفسها. عندما يشعر كل مكون بأنه مهدد من جاره، يسقط القناع الوطني، ويصبح البحث عن حامٍ خارجي ولو كان المحتل الصهيوني أمراً مستساغاً تحت وطأة الخوف.
3. التحييد التكتيكي: إجهاض الوقفة الوطنية
إن التوقيت الحالي لضخ هذه السموم الطائفية ليس عبثياً؛ فهو يأتي لقطع الطريق على أي تقارب أو “وقفة رجل واحد” يمكن أن تجمع المكونات السورية ضد ممارسات الجولاني وأدواته.
الطائفية هنا تعمل كمادة عازلة؛ تُشغل كل طرف بالدفاع عن وجوده الضيق، وتشلّ القدرة على بناء جبهة وطنية موحدة. هذا التحييد التكتيكي يمنح القوى العبثية والاحتلال فرصة قضم المناطق، وتثبيت النفوذ، واستكمال مخطط القضاء على الهوية الجامعة.
4. الخاتمة: شبح “نقطة اللاعودة” والوعي كخط دفاع أخير
إن خطورة المخطط الحالي تكمن في دفع المجتمع السوري نحو “نقطة اللاعودة”—وهي اللحظة التي تتجذر فيها الأحقاد الطائفية في النفوس بحيث يصعب علاجها بـأي تسويات سياسية مستقبلية، ليتحول التقسيم النفسي إلى تقسيم جغرافي دائم.
ومواجهة هذا المشروع لا تكون بالانجرار وراء ردود الأفعال، بل بامتلاك وعي سياسي راديكالي يدرك أبعاد اللعبة. إن تعرية أدوات الاحتلال، وكشف التنسيق الخفي بين الماكينات الإعلامية والنموذج الجولاني، هو السلاح الوحيد المتبقي لإفشال هندسة الفتنة والحفاظ على بقية الأمل في سوريا موحدة.
وسيم الحرستاني/سورية الطبيعية
