لم يكن التحول الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط من صراع عربي – “إسرائيلي” إلى صراعات داخلية طائفية وإثنية مجرد انزلاق عفوي في مسار الأحداث، بل كان في جوهره نتاج عملية إعادة تشكيل واعية وممنهجة لأولويات الصراع. فبعد أن شكّلت المواجهة مع “إسرائيل” محورًا جامعًا للوعي السياسي العربي، جرى تدريجيًا تفريغ هذا المحور من مضمونه، واستبداله بسلسلة من الصراعات البديلة التي أعادت توجيه العداء نحو الداخل.
في هذا السياق، برزت إيران بوصفها “العدو الجديد”، عبر خطاب سياسي وإعلامي كثيف أعاد إنتاج ثنائيات طائفية من قبيل “السني–الشيعي”، و”العربي–الفارسي”، ليس بوصفها توصيفات اجتماعية، بل كأدوات تعبئة وصراع. وبهذا، لم يعد الصراع موجّهًا نحو الخارج بقدر ما أصبح حالة استنزاف داخلي، تُستنزف فيها المجتمعات العربية ضمن دوائر مغلقة من الشك والعداء المتبادل.
هذا التحول لم يكن ليترسّخ لولا التلاقي الواضح بين سياسات قوى دولية سعت إلى إعادة ترتيب الإقليم بما يخدم مصالحها، وبين الاستراتيجية بعيدة المدى لـ إسرائيل، التي استفادت من تفكك البيئة المحيطة بها لتتحول تدريجيًا من “عدو مركزي” إلى طرف يُعاد تقديمه بوصفه شريكًا محتملاً. وهنا تكمن المفارقة الحادة: فبينما لم يتغيّر جوهر الصراع المرتبط بالاحتلال والهيمنة، تغيّر الوعي به، وتمت إعادة تعريفه بما يخدم توازنات جديدة.
غير أنّ المسؤولية لا تقع على العوامل الخارجية وحدها. إذ لا يمكن تجاهل الدور الحاسم الذي لعبته قطاعات من النخب السياسية والإعلامية والدينية، التي لم تكتفِ بالعجز عن مواجهة هذا التحول، بل ساهمت- عن قصد أو عن قصور- في تكريسه. ومع ضعف البنية النقدية لدى قطاعات من المجتمعات، أصبح تمرير هذا التحول أكثر سهولة، إلى درجة بات فيها العداء يُعاد توجيهه نحو أطراف إقليمية، في حين يجري تطبيع العلاقة مع الخصم التاريخي.
وهنا يبرز البعد الأخطر لهذا المسار: لم يعد الأمر متعلقًا فقط بإعادة ترتيب أولويات سياسية، بل بتفكيك منظومة القيم ذاتها. فالعلاقة مع إسرائيل، في ضوء ما يرتبط بها من احتلال ونزاع طويل، لم تكن يومًا مسألة سياسية بحتة، بل ارتبطت تاريخيًا برفض ديني وأخلاقي واجتماعي واسع. وعليه، فإنّ الانتقال من موقع الرفض إلى القبول—بل وإلى أشكال من التحالف – لا يمكن تفسيره كخيار براغماتي فحسب، بل كتحول عميق يصطدم مع منظومات دينية راسخة، ومع أعراف اجتماعية عربية، ومع سرديات قومية قامت أساسًا على رفض هذا الكيان.
إنّ توصيف هذا التحول بعبارات مخففة لا يغيّر من حقيقته: نحن أمام إعادة صياغة شاملة للوعي، يتم فيها استبدال العدو، وتفريغ القضايا المركزية من مضمونها، وإعادة إنتاج الانقسام كحالة طبيعية. وبهذا المعنى، فإنّ أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس فقط تغيّر التحالفات، بل نجاح هذا التغيير في فرض نفسه كأمر واقع، بل وكخيار “عقلاني” في نظر البعض.
في المحصلة، لا يمكن فهم ما جرى بوصفه مجرد اختلاف في التقدير السياسي، بل كتحول بنيوي في تعريف الصراع ذاته. وهو تحول، مهما بدا راسخًا، يظل قائمًا على هشاشة عميقة، لأنّه يتعارض مع حقائق التاريخ، ومع البنية القيمية للمجتمعات، ومع أبسط قواعد الاتساق السياسي. ومن هنا، فإنّ استعادة البوصلة لا تبدأ من الشعارات، بل من إعادة تفكيك هذا التحول وكشف آلياته، وإعادة تعريف العدو وفق معايير موضوعية لا وفق هندسة سياسية مفروضة.
وسيم الحرستاني/سوريا الطبيعية
