تشهد القارة اللاتينية واحدة من أخطر لحظاتها السياسية والعسكرية منذ عقود، عقب العملية التي نفذتها القوات الأمريكية في فنزويلا، والتي أسفرت عن اختطاف الرئيس “نيكولاس مادورو” وزوجته ونقلهما إلى نيويورك، في تطورٍ فجر موجّة من الاستقطاب الحاد داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، ووضع الجارة كولومبيا في حالة استنفار قصوى.
وفي انقسامٍ حاد أعاد للواجهة تلك الحرب الباردة التي كانت قد تلاشت؛ إذ عقد مجلس الأمن الدولي جلسات طارئة بطلب من كولومبيا ودول أخرى، غلب عليها طابع المواجهة الكلامية الحادة بين مختلف القوى.
وفيما جاء الموقف الأمريكي وحلفاؤه، والذي تدافع فيه واشنطن عن العملية بوصفها “إنفاذًا للعدالة الدولية”، زاعمةً أنّ مادورو فقد شرعيته وكان يدير “دولة مخدرات”؛ أدان المحور الرافض “روسيا والصين”، العملية بشدة، واصفةً إياها بـ”القرصنة الدولية” وانتهاك صارخ لسيادة الدول، وحذّرت روسيا من أن هذا السلوك يهدد النظام الدولي برمته، بينما طالبت الصين باحترام حصانة رؤساء الدول والإفراج الفوري عن المعتقلين.
الأمانة العامة للأمم المتحدة، لم تكن في معزلٍ عن الحدث؛ حيث أعرب الأمين العام “أنطونيو غوتيريش” عن قلقه البالغ من “تفاقم عدم الاستقرار”، مشدّدًا على أنّ “سلطة القانون الدولي يجب أن تسود”.
وفي تحولٍ استراتيجي لافت، اتخذت الحكومة الكولومبية بقيادة الرئيس “غوستافو بيترو” موقفًا حازمًا يتجاوز مجرد الإدانة الدبلوماسية، حيث أكّدت وزيرة الخارجية الكولومبية، “روزا فيلافيسينسيو”، أنّ الجيش الكولومبي في حالة تأهب للدفاع عن سيادة البلاد ضد أيّ “غزو محتمل”، خاصة بعد تهديدات أمريكية ضمنية طالت “بوغوتا”.
وفي تصريحاتٍ نارية، أعلن الرئيس الكولومبي صراحةً أنه مستعد “لحمل السلاح مجددًا” في إشارة لماضيه كمقاتل، إذا تجرأت القوات الأمريكية على انتهاك سيادة كولومبيا، واصفًا ما يحدث بـ “الإمبريالية العارية”.
وبينما يقبع مادورو في معتقله بأمريكا، شهدت كاراكاس تحركات دستورية وميدانية سريعة، حيث تولت نائبة الرئيس، “ديلسي رودريغيز”، منصب الرئاسة بالإنابة بقرار من المحكمة العليا، لتصبح أول امرأة تقود البلاد في هذا الظرف العصيب.
وأعلنت الحكومة الفنزويلية الانتقال فورًا إلى “الكفاح المسلح” لمواجهة ما وصفته بالعدوان الاستعماري، مع تعبئة واسعة للميليشيات الشعبية.
في الإطار؛ يرى محللون أن العملية الأمريكية، تمثل كسرًا لقواعد الاشتباك السائدة في المنطقة منذ نهاية القرن العشرين؛ فبينما تروج واشنطن لـ “ديمقراطية ما بعد مادورو”، يرى خصومها أنها محاولة للسيطرة على أكبر احتياطيات نفط في العالم وإرساء سابقة تسمح بالإطاحة بأي زعيم لا يتماشى مع المصالح الأمريكية.
وفي خلاصة المشهد اليوم، يبدو أنّ منطقة الكاريبي تقف على حافة حريق شامل؛ فإمّا أنّ تنجح الضغوط الدولية في مجلس الأمن بفرض مسار دبلوماسي، أو أنّ تنزلق أمريكا اللاتينية إلى صراع استنزاف طويل الأمد تتداخل فيه الجيوش النظامية مع حركات المقاومة الشعبية.
المسيرة نت
