النفط أولًا: كيف بدأت واشنطن صراعها مع الصين من فنزويلا؟

د. معن علي المقابلة
ارى ان الخطأ الأكبر في قراءة الصراع الأميركي–الصيني هو التعامل معه بوصفه نسخة جديدة من الحرب الباردة التي أنهت الاتحاد السوفييتي. الصين ليست الاتحاد السوفييتي، ولا تفكر بعقلية أيديولوجية جامدة يمكن إنهاكها عبر سباق تسلح أو غزو فضاء أو تحميلها أعباء حلفاء فاسدين. الفلسفة الصينية أكثر براغماتية، ويختصرها المثل الشهير: «لا يهم إن كان القط أسود أم أبيض، المهم أن يصطاد الفئران». السياسة في بكين تُدار بمنطق النتائج لا الشعارات؛ الحزب ثابت، لكن السياسات قابلة للتغيير. وعلى النقيض، في الولايات المتحدة قد يتغير الحزب، لكن السياسات الاستراتيجية العميقة، خصوصًا المرتبطة بالمصالح الكبرى، غالبًا ما تبقى ثابتة.
هذا الفارق الجوهري يفسر لماذا لم تلجأ واشنطن إلى مواجهة مباشرة مع الصين، ولماذا اختارت بدلًا من ذلك صراعًا طويل النفس، متعدد الأدوات، في قلبه التحكم بمفاصل القوة العالمية. وفي مقدمة هذه المفاصل تأتي الطاقة، وبالأخص النفط، الذي ما زال يشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي وسلاحًا سياسيًا لا يقل أهمية عن القوة العسكرية.

الصين نجحت خلال عقود قليلة في التحول من اقتصاد موجَّه ومنغلق إلى اقتصاد سوق منفتح ومتشابك مع العالم. هذه المرونة جعلت احتواءها مهمة شبه مستحيلة عبر الأدوات التقليدية. لذلك يبدو أن واشنطن أعادت إحياء وصفة قديمة: من يسيطر على الطاقة، يملك قدرة هائلة على التأثير في مسار الاقتصاد العالمي، وبالتالي في صعود الخصوم أو كبحهم. من هنا تبرز فنزويلا بوصفها نقطة البداية الواضحة.
فهي ليست فقط الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يتجاوز 300 مليار برميل، بل إنها أيضًا لاعب نفطي خرج نسبيًا عن الإرادة الأميركية، ونسج علاقات اقتصادية متقدمة مع الصين. والأهم أن أكثر من 16% من صادرات فنزويلا النفطية تتجه إلى الصين، ما يجعلها حلقة مباشرة في سلسلة الطاقة التي تغذي الصعود الصيني.
هذه الحقيقة وحدها كافية لفهم لماذا تحولت فنزويلا إلى ساحة صراع مفتوح، ولماذا كان الضغط عليها مبكرًا ومكثفًا. الضغط لم يقتصر على العقوبات الاقتصادية الخانقة أو محاولات خنق قطاع النفط الفنزويلي، بل تجاوز ذلك إلى مستويات أكثر خطورة. فقد شهد العالم محاولات أميركية معلنة وغير معلنة لإزاحة القيادة الفنزويلية، من الاعتراف برئيس موازٍ، إلى فرض مكافآت مالية ضخمة مقابل اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وصولًا إلى عمليات وُصفت بأنها محاولات اختطاف أو اعتقال خارج الأطر الدبلوماسية والقانون الدولي إلى ان نجحت واشنطن باختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته كما اعلن ترامب.

هذه الممارسات تكشف بوضوح أن ما يجري ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، بل صراعًا استراتيجيًا على دولة يُنظر إليها بوصفها عقدة نفطية حساسة في المواجهة مع الصين. وعند النظر إلى خريطة النفط العالمية، تتضح الصورة أكثر. فمعظم الدول العشر التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم تدور في الفلك الأميركي، باستثناء حالتين بارزتين: فنزويلا وإيران. بعد فنزويلا، تأتي السعودية ثم إيران، ثم كندا والعراق، فالإمارات والكويت، وبعدها روسيا والولايات المتحدة وليبيا.
هذه الخريطة لا تعكس توزيع الثروة النفطية فقط، بل ترسم خطوط النفوذ والصدام في النظام الدولي. ما حدث في فنزويلا، بهذا المعنى، ليس استثناءً بل نموذجًا. فواشنطن لا تستهدف بلدًا بعينه بقدر ما تستهدف إعادة ضبط سوق الطاقة العالمية بما يخدم استراتيجيتها الأوسع: تقليص قدرة بكين على الوصول إلى مصادر مستقلة ورخيصة للطاقة، وإبقاء مفاتيح النفط في يد حلفاء يمكن التأثير فيهم أو الضغط عليهم عند الحاجة. وبالتوازي مع ورقة الطاقة، تستخدم الولايات المتحدة أدوات أخرى مكملة، مثل الحرب التجارية، وتقييد الاستثمارات، ومحاولة إعادة تشكيل سلاسل التوريد، إضافة إلى الصراع التكنولوجي في مجالات حساسة كأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي. الهدف ليس إسقاط الصين، بل إبطاء صعودها ورفع كلفة تحولها إلى قوة مهيمنة.
في المقابل، تعتمد الصين سياسة مضادة تقوم على تنويع الشركاء، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وتوسيع مبادرة «الحزام والطريق» بوصفها مشروعًا اقتصاديًا–استراتيجيًا يعيد رسم طرق التجارة والطاقة بعيدًا عن الهيمنة الأميركية. كما أنها تتجنب التحالفات العسكرية الثقيلة، مفضلة علاقات مرنة قائمة على المصالح، وهو ما يمنحها قدرة أعلى على المناورة ويجنبها الأعباء التي أسقطت قوى كبرى في الماضي.
الخلاصة أن السيطرة على النفط ليست تفصيلًا في الصراع الأميركي–الصيني، بل أحد محاوره المركزية. وفنزويلا كانت نقطة البداية الواضحة، ليس فقط لأنها تملك أكبر احتياطي نفطي في العالم، بل لأنها تمثل عقدة طاقة مباشرة في علاقة الصين بالأسواق العالمية.
وما حدث هناك مرشح لأن يتكرر، بأشكال وسيناريوهات مختلفة، في دول أخرى، وعلى رأسها إيران. وفي النهاية، يبقى الثابت أن صراع الكبار يُدار بأدوات معقدة، لكن كلفته تُدفع غالبًا من حساب الدول الأضعف، التي تجد نفسها وقودًا لمعارك لا ناقة لها فيها ولا جمل.
باحث وناشط سياسي/ الأردن