يرى ألكسندر دوغين أن ما شهده الإتحاد الأوروبي خلال عام 2025 لم يكن مجرد سلسلة أزمات سياسية أو إقتصادية، بل تعبيرًا عن تحوّل بنيوي عميق في موقع أوروبا داخل النظام الدولي.
فالإتحاد الأوروبي، وفق هذا التصور، واصل تمسّكه بأجندة العولمة الليبرالية، في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة نفسها بالإبتعاد عنها. وقد راهن القادة الأوروبيون على ما يسمونه «مرحلة ما بعد ترامب»، آملين في عودة الديمقراطيين إلى الحكم وإستعادة المسار العولمي التقليدي.
في البداية، حاولت العواصم الأوروبية التكيّف مع الواقع الجديد عبر مهادنة ترامب والسعي إلى إقناعه بالإستمرار في سياسات الإدارات السابقة، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل. ومع مرور الوقت، أخذ الشرخ بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي يتّسع إلى حدّ بات معه وجود حلف الناتو نفسه موضع تساؤل. في الخطاب السياسي الغربي، تزايد الحديث عن قرب نهاية الناتو، وعن تباعد المصالح الإستراتيجية بين ضفتي الأطلسي بصورة يصعب ترميمها.
في هذا السياق، برزت داخل الولايات المتحدة فكرة بديلة لإعادة تنظيم النظام العالمي، تقوم على إنشاء نادٍ جديد للقوى الكبرى يُعرف باسم C5 أو «النواة الخمسة»، ويضم الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند واليابان. هذا النموذج لا يشبه مجموعة السبع G7 ولا مجموعة العشرين G20، بل يعكس تصورًا مختلفًا جذريًا للعالم، يقوم على ما يسميه دوغين «تعددية أقطاب صلبة» تستند إلى دول حضارية كبرى، وتتجه بثقلها الإستراتيجي نحو الشرق وساحل المحيط الهادئ، لا نحو الغرب والأطلسي.في هذا التصور الجديد، لا مكان للإتحاد الأوروبي ولا لحلف الناتو.
تُصنَّف اليابان كحليف طبيعي للولايات المتحدة، بينما تُقدَّم روسيا والصين بوصفهما حليفين سياسيين وإقتصاديين وأيديولوجيين. أما الهند، فتظهر كقوة وسطية فريدة، تربطها علاقات إيجابية بكل من موسكو وواشنطن في آن واحد. هكذا تتشكل، بحسب دوغين، جيوسياسة جديدة تترك وراءها العولمة والأطلسية والليبرالية، وتعتمد بدلاً من ذلك على منظومات القيم التقليدية.ويلاحظ دوغين أن هذا التحول لا يقتصر على القوى الكبرى فحسب، بل يمتد إلى المجال الأيديولوجي عالميًا. ففي أمريكا اللاتينية، كما في مناطق أخرى، يتعزز المنعطف المحافظ، بينما تشهد أوروبا نفسها صعودًا متزايدًا للحركات الشعبوية ذات الطابع التقليدي.
ورغم أن أوروبا الرسمية لا تزال متمسكة بالليبرالية، فإن قوى المحافظة تزداد نفوذًا داخلها. وتشير أمثلة مثل المجر وسلوفاكيا والتشيك، وإلى حدّ ما بولندا وإيطاليا، إلى إنتقال تدريجي نحو خطاب محافظ، وإن ظلّ ذلك مصحوبًا، في بعض الحالات، بمواقف عدائية حادة تجاه روسيا.ضمن هذا الإطار، تتداخل الأزمة الأيديولوجية مع الصراع الجيوسياسي المباشر.
فالقارة الأوروبية، بحسب دوغين، ترى أوكرانيا جزءًا من مجالها الحيوي، بينما تعتبرها روسيا جزءًا من مجالها التاريخي والإستراتيجي. هذا التناقض يعكس عمق الصدام القائم، لا بإعتباره نزاعًا إقليميًا محدودًا، بل بإعتباره مواجهة بين رؤيتين متعارضتين للنظام العالمي.من هنا، يخلص دوغين إلى أن عام 2025 شكّل نقطة تحوّل حاسمة على المستوى العالمي، حيث صعدت المحافظة بوصفها تيارًا مهيمنًا، في مقابل تراجع الليبرالية العولمية. فروسيا، وفق هذا التحليل، سارت في هذا الإتجاه منذ فترة طويلة، وتسارع التحول بعد بدء العملية العسكرية الخاصة. أما في الغرب، فقد أظهر «عامل ترامب» أن التحول المحافظ لم يعد حكرًا على الشرق أو على الدول المناهضة للغرب، بل بات ممكنًا من داخل المنظومة الغربية نفسها.هذا التحول، برأي دوغين، ليس مؤقتًا ولا ظرفيًا، بل يمثل عملية عالمية شاملة تمس المجتمعات المسيحية والإسلامية والهندوسية والصينية على حد سواء.
ويذهب إلى حدّ وصف عام 2025 بأنه «عام الثورة المحافظة»، حيث إنقلب ميزان الصراع بين السيادية والعولمة الليبرالية بشكل جذري.ويستشهد دوغين حتى بخصومه الأيديولوجيين لتأكيد هذا التشخيص، مشيرًا إلى كتاب مايكل ماكفول «الإستبداد ضد الديمقراطية»، الذي يحاول فيه توصيف الواقع الجديد. غير أن ماكفول، بحسب دوغين، يوسّع مفهوم «الأنظمة الإستبدادية» ليشمل ليس فقط روسيا والصين، بل أيضًا الرئيس الأمريكي الحالي، بل والولايات المتحدة نفسها.
وبهذا المعنى، تصبح جبهة المحافظة العالمية، كما يراها دوغين، هي المعسكر الغالب، بينما ينتقل الليبراليون-العولميون إلى موقع المعارضة، رغم إحتفاظهم ببعض المعاقل في بريطانيا وفرنسا وألمانيا.ورغم أن عام 2025 لم يحقق جميع الوعود والتوقعات، لا سيما من الجانب الأمريكي، فإن الإتجاه العام، وفق هذا التصور، واضح: العالم يتجه نحو التعددية القطبية، والدول تعزز سيادتها، والقيم المحافظة تفرض حضورها على نطاق عالمي متزايد.
أما عام 2026، فيراه دوغين عامًا محفوفًا بالمخاطر الكبرى. فالنظام العالمي، كما يؤكد، لا يتغير عبر تطور تدريجي هادئ، بل من خلال صدمات حادة. ومع وصول التصدعات الحالية إلى حدودها القصوى، يصبح خطر إندلاع مواجهة عالمية واسعة أعلى مما كان عليه في السنوات السابقة.
وفي هذا السياق، لا يخفي دوغين إستخدامه لغة تصعيدية حادة، تعكس مستوى الإحتقان القائم، وتؤشر إلى أن الصراع المقبل – إن وقع – لن يكون مجرد إعادة ترتيب توازنات، بل صدامًا وجوديًا بين مشاريع حضارية متعارضة.
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
المصدر:geopolitika.ru/ar
