في كل مرة تُقدِم فيها الولايات المتحدة على فعلٍ صادم خارج الأطر التقليدية—تدخل عسكري، عملية أمنية عابرة للحدود، أو فرض أمر واقع بالقوة—يُعاد طرح السؤال ذاته: إذا كانت واشنطن قادرة على تجاوز القانون الدولي بهذا الشكل، فما الذي يمنعها من الذهاب أبعد؟ ولماذا يبدو ضم دولة مثل كندا مستبعداً، بينما تُرتكب أفعال أخف شكلاً لكنها فادحة مضموناً دون اكتراث يُذكر؟
للإجابة، لا بد من التمييز بين نوعين مختلفين جذرياً من أفعال القوة، وبين منطقين متناقضين تحكمهما: منطق الهيمنة المؤقتة، ومنطق السيطرة الشاملة.
أولاً، التدخلات الأمريكية التي تُوصَف بأنها “غير قانونية” غالباً ما تُصمَّم لتكون محدودة النطاق، واضحة الهدف، وقابلة للاحتواء. هي أفعال لا تسعى إلى تغيير الخريطة، بل إلى إعادة ترتيب السلوك. الغاية منها ليست هدم النظام الدولي، بل ليّ ذراعه. ولذلك تُقدَّم دائماً ضمن سرديات جاهزة: “مكافحة الإرهاب”، “حماية الأمن القومي”، “منع تهديد وشيك”. هذه السرديات—مهما كانت واهية—توفر غطاءً يسمح للحلفاء بالصمت، وللمؤسسات الدولية بالتردد، وللعالم بأن يواصل العمل وكأن الخلل مؤقت.
هذا النمط من السلوك يعكس عنجهية أمريكية واضحة، لكنه في الوقت نفسه عنجهية محسوبة. واشنطن تعرف أن الإفراط في القوة لا يعني دائماً تعظيم النفوذ، بل قد يعني تقويضه. لذلك تختار أفعالاً تُحدث صدمة دون أن تُحدث قطيعة شاملة.
أما ضم دولة، فشيء آخر تماماً.
الضم ليس رسالة ضغط، بل إعلان سيادة بالقوة. هو لا يستهدف نظاماً أو قائداً أو سياسة، بل يستهدف فكرة الدولة ذاتها. حين تُضم دولة، يُقال للعالم إن الحدود مؤقتة، وإن الاعتراف الدولي مشروط برضا الأقوى، وإن القانون ليس سوى أداة انتقائية. هذه ليست عنجهية تكتيكية، بل غطرسة وجودية تُهدد الجميع، بما فيهم الفاعل نفسه.
وهنا تظهر الفروقات الجوهرية بين الحالتين:
الفرق الأول: قابلية الاحتواء.
التدخل المحدود يمكن امتصاصه عبر الزمن، عبر الدبلوماسية، أو حتى عبر النسيان المتعمد. أما الضم فلا يُحتوى، لأنه واقع دائم. هو جرح مفتوح في النظام الدولي، لا يلتئم إلا بإعادة رسم الحدود أو بتفكك النظام الذي سمح به.
الفرق الثاني: موقف الحلفاء.
في كثير من التدخلات الأمريكية، يفضّل الحلفاء الصمت أو الاعتراض الخافت، لأن كلفة المواجهة أعلى من كلفة التواطؤ. لكن في حالة الضم، يصبح الصمت انتحاراً سياسياً. إذا سُمح بضم كندا اليوم، فما الذي يمنع ضم غيرها غداً؟ هنا، حتى أكثر الحلفاء تبعية يدركون أن الدفاع عن الضحية هو دفاع عن الذات.
الفرق الثالث: الداخل الأمريكي نفسه.
الخطاب الإمبراطوري قد يجد جمهوراً في أوقات الأزمات، لكن مشروع ضم دولة مستقرة وديمقراطية يفتح أسئلة لا يمكن إسكاتها: ما الثمن؟ من يقاتل؟ من يدفع؟ وأين ينتهي هذا المسار؟ المؤسسات الأمريكية—رغم تآكلها—لا تزال تشكل عائقاً أمام القفز في المجهول، لا حباً في القانون الدولي، بل خوفاً على استمرارية الدولة الأمريكية ذاتها.
الفرق الرابع: الاقتصاد والنفوذ.
الولايات المتحدة لا تحكم العالم بالدبابات فقط، بل بالدولار، والأسواق، والمؤسسات. الضم ينسف هذه الأدوات. فهو يدفع العالم، دفعة واحدة، إلى البحث عن بدائل، ويُحوّل الهيمنة الأمريكية من نفوذٍ ناعم قاسٍ إلى احتلال فجّ مكلف. وهذا أسوأ سيناريو لأي قوة تدّعي القيادة العالمية.
من هنا، يتضح أن ما يمنع ضم كندا ليس احترام السيادة ولا التزام القانون، بل حدود القوة ذاتها. الولايات المتحدة قد تتصرف بعنجهية، وقد تدهس القواعد عندما يخدمها ذلك، لكنها—حتى الآن—تتجنب الخطوة التي تُحوّلها من قوة مهيمنة إلى قوة منبوذة، ومن لاعب مركزي إلى تهديد وجودي للنظام الذي صنعته بنفسها.
العنجهية الأمريكية حقيقية، لكنها ليست عمياء. هي عنجهية تعرف متى تتوقف، ليس بدافع الحكمة، بل بدافع الخوف من أن تسقط ضحية لقوتها نفسها.
وكما كتب المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، في عبارة تلخص هذه المفارقة القاتمة:
“القوة لا تخشى القانون، لكنها تخشى اليوم الذي يُعاملها فيه الآخرون بالمنطق ذاته.”

فاتنة علي_لبنان/سوريا الكبرى