الإمبراطوريات لا تموت بصمت؛ تموت وهي تصرخ، تقصف، تبرّر، وتكذب. وكلما اقتربت من نهايتها، ازدادت غطرستها، لأن الغطرسة ليست قوة، بل ذعرٌ متنكّر. ما نراه اليوم من انفلات أمريكي في دعم الإبادة في فلسطين ليس «انحيازًا سياسيًا»، بل تجلٍّ فجّ لمرحلة تعفّن إمبريالي كامل. هذه ليست لحظة سوء تقدير، بل حقيقة النظام حين يُعرّى. وما يجري في غزة، وما تتعرّض له فنزويلا، ليسا ملفين منفصلين، بل تعبيران متوازيان عن منطق إمبريالي واحد بلغ مرحلة الانحطاط، كما وصفه ماركس، وعرّاه لينين بلا مواربة.
قال لينين بوضوح لا يحتمل التأويل: «الإمبريالية هي الرأسمالية المتعفّنة». وحين تتعفّن الأنظمة، لا تُصلَح، بل تزداد توحّشًا؛ تتحول من نظام إنتاج إلى نظام قمع، ومن إدارة المجتمع إلى إدارة الموت. أمريكا اليوم لا تقود العالم، بل تبتزّه؛ لا تنشر القيم، بل السلاح؛ ولا تدافع عن «النظام الدولي»، بل عن نظام الإفلات من العقاب. وعندما وصف لينين الإمبريالية بأنها رأسمالية طفيلية، متعفّنة، تعيش على القهر لا على الإنتاج، لم يكن هذا تعريفًا نظريًا مجرّدًا. هذا التعريف يُقرأ اليوم على أجساد أطفال غزة، وفي طوابير الخبز والوقود في فنزويلا، وفي العقوبات، والحصار، ومحاولات كسر الدولة من الداخل.
حين تعجز الإمبراطورية عن كسب الشعوب، أو إقناع العالم، أو إنتاج نموذج قابل للحياة، فإنها تتحول إلى آلة عقاب جماعي. الإمبراطورية لا تحتاج إلى احتلال مباشر كي تدمّر؛ يكفيها أن تحاصر، تخنق، تعاقب، وتجرّد الشعوب من حقها في تقرير مصيرها. وحين تفعل ذلك في أكثر من مكان في اللحظة نفسها، فهذه ليست صدفة، بل قانون المرحلة. لذلك، فإن ما يجري في غزة، وما تتعرّض له فنزويلا، ليسا مسارين منفصلين، بل مشهدين من المشهد نفسه.
فلسطين ليست قضية هامشية، وليست «ملفًا معقّدًا»، وليست نزاعًا بين طرفين متكافئين. فلسطين هي اختبار الحقيقة. وفي هذا الاختبار، فشل النظام الإمبريالي علنًا: فشل أخلاقيًا، وفشل سياسيًا، وفشل تاريخيًا. حين تُباد غزة على الهواء مباشرة، وتُحاصر بالماء والخبز والدواء، ثم تقف الإمبراطورية الأكبر في التاريخ لتقول: «نحن مع حق الدفاع عن النفس»، فهذا ليس نفاقًا فقط، بل انهيار أخلاقي ولغوي كامل.
كل إمبراطورية قبل سقوطها قالت: نحن الاستثناء، نحن القانون، نحن الحضارة. قالتها روما، وقالتها لندن، وقالتها باريس، وتقولها اليوم واشنطن بصوت أعلى، لأن الأرض تهتز تحت قدميها. الإمبراطورية الواثقة لا تحتاج أن تشرح المجازر؛ الإمبراطورية المتراجعة تشرحها ليلًا ونهارًا.
وعندما قال ماركس: «تراكم الثروة هنا، هو تراكم البؤس هناك»، لم تكن رؤيته نبوءة أخلاقية، بل خلاصة المادية الجدلية. فالرأسمالية الإمبريالية، في الماضي كما اليوم، تملك كل شيء إلا المستقبل، وتسيطر على العالم إلا الشعوب، وتنتج السلاح وتعجز عن إنتاج العدالة. غزة ليست «مأساة إنسانية»؛ غزة هي منتج جانبي طبيعي لنظام راكم الثروة في مكان، وراكم الموت في مكان آخر.
الفرق بين غزة وفنزويلا ليس أخلاقيًا، بل تقنيًا: في غزة قنابل، وفي كراكاس عقوبات؛ في غزة إبادة سريعة، وفي فنزويلا تجويع طويل. لكن الهدف واحد: إخضاع الشعوب التي تخرج عن النص الإمبريالي. وهذا بالضبط ما قصده ماركس حين ربط تراكم الثروة في المركز بتراكم البؤس في الأطراف.
وأمريكا اليوم مكشوفة: مكشوفة أمام الجنوب العالمي، مكشوفة أمام شعوبها، ومكشوفة أمام التاريخ. لم تعد تقنع أحدًا، ولذلك ترفع الصوت، وتشدّ القبضة، وتقصف أكثر. هذه ليست علامات قوة، بل أعراض احتضار.
حين تتوحّد الجبهات، تصبح غزة وفنزويلا في قلب الانحطاط الإمبريالي. غزة تقول للعالم: هذا النظام لا يمكن إصلاحه، وهذه الإمبراطورية لا يمكن تجميلها، وهذه الرأسمالية لا تنتج حياة. وكما كانت فيتنام مرآة أمريكا، والجزائر مرآة فرنسا، ستبقى فلسطين المرآة التي كُسر فيها وجه الإمبراطورية. وحين تنكسر المرايا، لا يعود السؤال: هل ستسقط الإمبراطورية؟ بل: كم ستدمّر وهي تسقط؟
هذا النظام لا يسقط لأنه دموي فقط، بل لأنه لم يعد قادرًا على حكم العالم إلا بالقوة العارية. وغزة، كما فنزويلا، ليستا هامش التاريخ، بل مركز انكشافه. ومن يظن أن الإمبراطورية ستنجو بمزيد من الحصار، ومزيد من الدم، ومزيد من الغطرسة، لم يتعلم شيئًا من سقوط روما، ولا من هزيمة فرنسا، ولا من فيتنام.
حين تتوحّد ساحات القهر، تتوحّد أيضًا شروط السقوط.
كندي كتانة_القدس
