تبادل الأدوار الإماراتي والسعودي في تمزيق اليمن: لعبة تقاسم النفوذ وأهداف أبعد من الظاهر
أحلام الصوفي
المتابع الحصيف لما يجري في جنوب اليمن يلاحظ بوضوح وجود سيناريو ممنهج لا يقوم على الخلاف الحقيقي بين السعودية والإمارات، وإنما على تبادل الأدوار بذكاء، وتوزيع المهام بين الطرفين لتنفيذ مشروع استراتيجي تم إعداده بعناية في غرف الاستخبارات الغربية، وتحديداً البريطانية والصهيونية، لتمزيق اليمن وتفكيك نسيجه الوطني والجغرافي والاجتماعي.
في الظاهر، يبدو أن هناك صراعاً بين أدوات الرياض وأبوظبي، وكل طرف يسعى لفرض سيطرته على رقعة معينة من الجنوب، لكن في العمق، ما يجري ليس سوى “مسرحية تفاهمات” الهدف منها الوصول إلى تقسيم الجنوب إلى ثلاث دويلات صغيرة، متناحرة، سهلة السيطرة، وتابعة للوصاية الأجنبية. فدويلة المخا وتعز تُدار إماراتياً، وعدن ولحج والضالع وشبوة تُحكم عبر أذرع متعددة، بينما المناطق الشرقية كحضرموت والمهرة ومأرب وضعت في دائرة الهيمنة السعودية المباشرة.
هذه الخريطة ليست ارتجالاً، بل هي جزء من مشروع “تقسيم المقسم”، بهدف تكريس واقع جغرافي جديد يخدم مصالح الكيان الصهيوني أولاً، ويجعل من البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن مناطق مفتوحة تحت سيطرة الحلف الصهيو-خليجي، الذي يرى في وحدة اليمن تهديداً وجودياً.
إن لعبة “تبادل الأدوار” بين السعودية والإمارات ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتحالفات قامت منذ حرب 2015، وباتت أكثر وضوحاً في ظل التفاهمات الصامتة بين الرياض وتل أبيب من جهة، وأبوظبي وتل أبيب من جهة أخرى، والتي أنتجت حضوراً استخباراتياً إسرائيلياً مباشراً في سقطرى وعدن والمخا، وحالياً في حضرموت.
المخيف في هذا المشروع، أنه لا يهدد اليمن فقط، بل يضع الأمن القومي العربي برمته في مهب التهديد، حيث ستصبح الدويلات المتشظية قواعد خلفية للاستخبارات الغربية، ومنصات مراقبة وتحكم بالطرق البحرية، ومنطلقاً لضرب أي مشروع تحرري أو مقاوم في المنطقة.
ما يجب أن يُفهم اليوم هو أن ما يحدث في الجنوب ليس نزاع نفوذ بين السعودية والإمارات، بل شراكة تقاسم، فالإمارات تدير المناطق الحساسة المطلة على باب المندب، بينما تسيطر السعودية على منابع الثروة والموقع الجغرافي الرابط بين عمان والخليج.
وفي ظل هذا الواقع، على القوى الوطنية أن تعي أن المعركة اليوم ليست مع أدوات فقط، بل مع مشروع كبير يتسلل من بوابة “الشرعية”، و”الانفصال”، و”الإغاثة”، ليُرسّخ الاستعمار الناعم الذي يسعى لتحويل اليمن من دولة إلى جزر متناثرة خاضعة لمشيئة الخارج.
اليمن اليوم على مفترق طرق. فإما وعي شامل بمخاطر المشروع، أو سقوط في فخ “الأقاليم الثلاث”، تماماً كما سقط الصومال من قبل، فخرجت “أرض الصومال” و”بونت لاند” و”الصومال الفيدرالي”، وتحولت السيادة إلى خرائط على الورق لا تمثل وطناً ولا تحمي شعباً.
