يرى البعض -وهذا شأنه- في الولايات المتحدة الأمريكية قدَرا مفروضا على العباد والبلاد، ويرفض مناقشة إمكان هزيمتها أو فشلها ولو من باب الافتراض؛ فيبذل غاية جهده في سبيل إظهار كل ما يجري في العالم كانتصار للولايات المتحدة أو كخطوة مدروسة في خطّة مُحكمة على طريق الانتصار.

ولكن القارئ الحصيف في مجريات العقد الماضي يرى انكشاف الولايات المتحدة في غير مكان وانكماش دورها وانحسار دائرة نفوذها. ولعل مواجهة البحر الأحمر في العامين الماضيين أوضح دليل على بداية نهاية زمن التسيّد الأمريكي.

إسناد في مقابل إسناد

لقد دخلت جماعة أنصار الله “الحوثيون” معركة إسناد غزة بعد أحداث السابع من أكتوبر وفرضت حصارا بحريا على “إسر/ئيل”، مخرجة ميناء “إيلات” من الخدمة ومهدّدة حرّية الملاحة في البحر البحر، ممّا شكّل تهديدا مباشرا للأمن القومي الأمريكي القائم على السيطرة على الممرّات المائية وتأمين طرق التجارة وإمدادات الطاقة.

وبعد تهديد ووعيد، أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عملية حارس الازدهار، ودخلت المعركة إسنادا ل”إسر/ئيل” بهدف معلن يشمل ضمان حرّية الملاحة لجميع البلدان وتعزيز الأمن والازدهار الإقليميين.

فنشرت الولايات المتحدة قطعها البحرية، وشنّت عشرات الغارات على الأراضي اليمنية، وشاركت بما وصفه الأدميرال الأمريكي براد كوبر أكبر صراع بحري أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية.

جحيم ترامب البارد

وبعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين “إسر/ئيل” و”حماس” في آذار الماضي واستئناف جماعة أنصار الله عملياتها العسكرية، هدّد الرئيس دونالد ترامب الجماعة بفتح أبواب الجحيم عليها وباستخدام قوّة فتّاكة ساحقة في حال عدم توقف الهجمات.

كما عاب ترامب على سلفه بايدن ردّه الضعيف المثير للشفقة بحسب تعبيره على هجمات الجماعة اليمنية، وعدّ تهاون إدارة بايدن سببا في استمرار العمليات اليمنية.وبالفعل انتقلت القوّات الأمريكية إلى مرحلة مختلفة من العنف وشنّت مئات الغارات في وقت قياسي في تصعيد لافت مقارنة مع وتيرة العمليات أيّام بايدن.

ولكن ذلك لم يردع “أنصار الله” الذين صعّدوا من هجماتهم واستهدافاتهم للقطع الأمريكية وحاملات الطائرات التي لم يجرؤ أحد من قبل على التفكير في استهدافها.وانتهت المواجهة في البحر الأحمر عندما وافقت الولايات المتحدة على وقف ضرباتها في مقابل امتناع جماعة أنصار الله من استهداف السفن الأمريكية فقط؛ ولم يشمل الاتّفاق فكّ الحصار البحري عن “إسر/ئيل” ولا إيقاف الهجمات الصاروخية عليها.

فأعلنت أمريكا بذلك فضّ “وحدة الساحات” وانسحابها من معركة إسناد “إسر/ئيل”؛ وفي المقابل استمرّ الحوثيون في نصرة غزة ولم يتراجعوا عن هدفهم المعلن منذ اليوم الأول.

ثمن المواجهة الباهظ

كانت كلفة المواجهة المادية مرتفعة بالنسبة إلى البحرية الأمريكية التي استخدمت عددا هائلا من الصواريخ ضدّ طائرات “الحوثيين” المسيّرة وصواريخهم. كما كلّفت أربعة حوادث كان بالإمكان تفاديها البحرية الأمريكية أكثر من 100 مليون دولار نتيجة فقدان ثلاث طائرات ونتيجة الأضرار التي لحقت بحاملة الطائرات ترومان بحسب ما كشفته نتائج التحقيقات التي نشرتها البحرية الأمريكية.ولكن الكلفة الأكبر ذات الطابع الاستراتيجي كمنَت في ما وراء هذه الحوادث التي تعرّضت لها القطع الأمريكية والتي كشفت سوء استعداد البحرية الأمريكية للتّعامل مع التحديات.

وهذا ما دفع النقيب المتقاعد في البحرية الأمريكية برادلي مارتن إلى القول “إن الرسالة الواضحة من هذا الانتشار هي أن البحرية غير مستعدّة للتعامل مع واقع القتال المطوَّل“، كما اعترف أن حاملة الطائرات ترومان كانت تعمل في وضع حرج للغاية. ولعل هذا الوضع الذي باتت فيه حياة الجنود الأمريكيين في خطر حقيقي هو الذي دفع الولايات المتحدة إلى المسارعة في الانسحاب على مبدأ “كفّوا عنّا نكفّ عنكم” من دون تحقيق أي هدف معلن، إذ لا مكان لبذل الدماء في العقيدة الأمريكية.

استراتيجية الانسحاب وإعادة الحسابات

لقد كشفت الصراعات العسكرية في السنوات الماضية في الحرب الأوكرانية ومواجهات الشرق الأوسط وغيرها فشل الوسائل التقليدية في حسم الحروب الحديثة. كما ظهرت فاعلية بعض الوسائل منخفضة التكلفة كالطائرات المسيّرة التي باتت تؤرق قادة الجيوش في العالم بسبب سهولة تصنيعها وانخفاض ثمنها وصعوبة اعتراضها وقدرتها على اختراق أحدث الشبكات الدفاعية.وجاءت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي صدرت مؤخّرا لتؤكّد هذا المعنى ولتقول صراحة “إن الفجوة الهائلة -التي كشفتها النزاعات الأخيرة- بين الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة من جهة، والأنظمة الباهظة الثمن اللازمة للتصدّي لها من جهة أخرى، قد عرّت بوضوح حاجتنا إلى التغيير والتكيّف“.

يُعدّ هذا الكلام اعترافا غير مباشر بأن انسحاب الولايات المتحدة من المواجهة في البحر الأحمر لم يكن بسبب تحقيق الأهداف أو تحييد قدرات الخصم، ولم يكن حتى انسحابا تكتيكيا استجابة لضرورات المعركة، بل كان بفعل فشل الاستراتيجية الأمريكية التي كانت تقوم على السيطرة على العالم من وراء البحار عبر أسطول جبّار وضخم من حاملات الطائرات والقطع البحرية، وتعتمد بشكل أساسي على التفوق الجوّي وقوّة الردع.

إن المواجهة مع اليمن أثبتت فشل الردع الأمريكي في منع هجمات الخصوم من جهة، وضعف فاعلية حاملات الطائرات في مواجهة ظروف قتالية غير تقليدية من جهة أخرى. وهذا ما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها العسكرية، إذ إن ما واجهته في صراعها مع “الحوثيين” لا يقارَن بما قد تواجهه في أي صراع محتمل مع الصين من حيث الكمّ والنوع. وإذا كانت جماعة محاصَرة في بلد فقير خارج من حرب طويلة قادرة على استنزاف القدرات الأمريكية وإلحاق أضرار بالقطع الحربية الأمريكية وتهديد سلامة الجنود الأمريكيين، فإن الصين قد تكون قادرة على جعل أسوأ كوابيس الولايات المتحدة حقيقة.

إن اضطرار دولة عظمى كالولايات المتحدة إلى الانسحاب من مواجهة دولة كاليمن في واحد من أهم الممرّات المائية في العالم وفي خضم حرب تعيد رسم الخرائط في المنطقة واضطرارها إلى إعادة النظر في سياستها العسكرية دليل على أن مواجهة المشروع الأمريكي ممكنة وإن كانت مكلفة، ودليل على أن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم قد ولّى إلى غير رجعة. وقد أثبت اليمن أن الصمود والمواجهة كفيلان في فرض الشروط وتحقيق المكاسب، فهل يعتبر باقي أعداء الولايات المتحدة وخصومها من التجربة اليمنية؟
حسن علاء الدين