أرض تُستباح، وسيادة تُهان، وشعب سيستعيد حقه في تقرير مصيره
مقدمة: سلطة فقدت شرعيتها… وشعب لن يقبل الهوان
ليست المأساة في سوريا الشام مقتصرة على توغّل القوات الصهيونية وانتهاك الأرض والأجواء، بل في وجود سلطة عاجزة عن حماية البلاد، فاقدة للثقة الشعبية، ومثقلة بالشكوك حول استقلال قرارها وارتهانه للتوازنات الخارجية. فحين تُستباح الأرض، ويُرهب السكان، وتُترك المؤسسات العامة لمصيرها، لا يعود السؤال متى تستفيق السلطة، بل: كيف يمكن لشعب أن يستعيد حقه في السيادة من سلطة لم تعد تعبّر عن إرادته الوطنية؟
إن السلطة التي تعجز عن حماية الأرض والإنسان، وتلتزم الصمت أمام الانتهاكات الخطيرة، لا تستطيع أن تستمد شرعيتها من مجرد سيطرتها على مؤسسات الحكم. فالشرعية ليست غنيمة، والسيادة ليست تفويضاً مفتوحاً للحاكم، والوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات أو تنفيذ الإملاءات الخارجية.
حين تصبح السلطة جزءاً من الأزمة، لا يعود إصلاحها وحده أفقاً للخلاص؛ بل يصبح استرداد الشعب لقراره الوطني قضية مصيرية.
أولاً: التوغّل الصهيوني… إهانة للأرض وامتحان للوعي الوطني
تحدثت تقارير متداولة عن توغلات للقوات الإسرائيلية في وادي الرقاد وقرية معرية بريف درعا الغربي، وتحركات في قرية الأصبح وطريق عين البيضة – جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي، ترافقت مع إقامة حواجز. كما أُفيد بتحليق مقاتلات حربية على ارتفاعات منخفضة واختراق جدار الصوت في مناطق من درعا والسويداء واللجاة، بما أثار الخوف والقلق بين الأهالي.
إن صحت هذه الوقائع، فنحن أمام اعتداءات تمسّ السيادة والأمن وكرامة السكان، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها تفاصيل هامشية في مشهد سياسي مضطرب.
أي معنى لسلطة تحكم البلاد فيما تتحرك قوات الاحتلال داخل أراضيها؟ وأي قيمة للشعارات التي رُفعت باسم التغيير والاستقرار إذا كان المواطن يرى أرضه تُنتهك، ولا يجد موقفاً وطنياً يرقى إلى خطورة ما يحدث؟
إن الاحتلال لا يحتاج دائماً إلى إعلان سيطرته على الأرض كي يفرض وقائع جديدة؛ فقد يكفيه توسيع حرية حركته، وترويع السكان، واختبار حدود ردود الفعل، فيما يتحول الصمت إلى فرصة لتثبيت معادلات جديدة.
إن أخطر ما يمنحه الصمت للمعتدي ليس غياب الرد وحده، بل انطباعه بأن انتهاك السيادة يمكن أن يمرّ بلا كلفة سياسية أو مساءلة.
ثانياً: سلطة الارتهان لا تستعيد السيادة
إن المشكلة لا تُختزل في غياب بيان أو تأخر موقف. إنها تتصل بطبيعة السلطة نفسها، وبمدى استقلال قرارها، وبالجهات التي تحدد أولوياتها وحدود حركتها.
ومن هنا، فإن تحميل السلطة مسؤولية الصمت لا يعني الاكتفاء بمطالبتها بإصدار تصريحات أشد لهجة، بل يستوجب مساءلة بنيتها السياسية، وعلاقاتها الخارجية، ومدى تعبيرها عن المصالح الوطنية السورية.
فالسلطة التي يُنظر إليها بوصفها مرتهنة للخارج لا تستطيع تبديد أزمة الثقة بخطاب إعلامي أو وعود جديدة. واستعادة السيادة لا تتحقق بتبديل العبارات، بل باستقلال القرار الوطني، ورفض الإملاءات، وحماية الأرض، وصون حقوق المواطنين.
إن الشعب السوري ليس ملكاً للحاكم، ولا أرضه ورقة في حسابات القوى الدولية والإقليمية. ومن حقه أن يعرف من يقرر باسمه، ولحساب أي مصالح تُدار البلاد، ولماذا تُترك الانتهاكات من دون موقف معلن يتناسب مع خطورتها.
لا يمكن لسلطة أن تكون بوابة لاستعادة السيادة إذا كان قرارها نفسه موضع شك في استقلاله؛ ولا يمكنها أن تطلب ثقة شعبها فيما تتسع الهوة بين ادعاءاتها والوقائع التي يعيشها.
ثالثاً: حين يُهان الإنسان داخل وطنه
لا تقف الأزمة عند الحدود. فقد تداولت رواية عن توجه مواطن مصاب بحادث سير إلى مشفى إزرع الوطني عند الساعة 12:50 بعد منتصف الليل، ليجد، وفق الرواية المنشورة، غياباً للكوادر المناوبة وعناصر الإسعاف اللازمة.
وإذا ثبتت الواقعة، فهي تكشف خللاً خطيراً يستوجب التحقيق والمحاسبة. فالمستشفى الذي لا يستطيع استقبال مريض في ساعة الخطر يجسد إخفاقاً في وظيفة أساسية من وظائف الدولة: حماية حياة الإنسان.
وهنا تتكامل صورة الأزمة: أرض تواجه التوغّل، ومواطن يواجه الخطر، ومؤسسات يُفترض أن تحميه لكنها قد تعجز عن أداء واجبها.
إن كرامة الوطن لا تُقاس بخطابات حكامه، بل بقدرة أبنائه على العيش بأمان، والحصول على العلاج، وممارسة حقوقهم، والمشاركة في تقرير مستقبلهم.
رابعاً: الشعب هو صاحب الحق في التغيير
إن الرهان ليس على استفاقة سلطة فقدت ثقة قطاعات من السوريين، بل على وعي الشعب وقدرته على استعادة المبادرة السياسية والوطنية. فالتغيير الحقيقي لا يُمنح من أعلى، ولا تصنعه الوعود، بل يتبلور عندما يرفض المجتمع استمرار واقع لا يعبّر عن تطلعاته ومصالحه.
وإذا كان الشعب هو مصدر الشرعية، فمن حقه أن يطالب بسلطة مستقلة، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، ودولة تحمي السيادة وتضمن الحقوق، وأن يسعى إلى التغيير عبر إرادته الشعبية المنظمة، والعمل المدني والسياسي، والتعبير السلمي، وبناء بديل وطني قادر على إدارة البلاد.
لكن إسقاط سلطة لا يكفي وحده لبناء وطن. فالمطلوب ألا يتحول التغيير إلى استبدال تبعية بأخرى، أو استبدال احتكار للقرار باحتكار جديد، بل أن يؤسس لمرحلة تستعيد فيها المؤسسات استقلالها، ويصبح المواطن شريكاً في تقرير المصير، وتُصان فيها حقوق جميع مكوّنات المجتمع السوري.
خاتمة: لن يحمي سوريا الشام إلا شعب يستعيد قراره
إن سوريا الشام ليست ملكاً لسلطة عابرة، ولا ساحة مفتوحة لمشاريع الخارج، ولا أرضاً يجوز التنازل عن حقوقها تحت أي ذريعة. إنها وطن شعب له الحق في السيادة والحرية والكرامة، وله الحق في رفض سلطة يراها عاجزة عن تمثيل إرادته وحماية مصالحه.
لا ننتظر استفاقة سلطة فقدت شرعيتها في نظر معارضيها؛ بل نراهن على استفاقة الشعب، وعلى قدرته على استعادة قراره وبناء دولة وطنية مستقلة.
لا لتوغّل صهيوني يفرض الوقائع بالقوة. لا لارتهان القرار الوطني للخارج. لا لتحويل معاناة الناس إلى تفصيل في حسابات السلطة. ولا لقبول العجز باعتباره قدراً لا يتغير.
إن إسقاط أي سلطة لا يصبح انتصاراً وطنياً كاملاً إلا عندما يقترن ببناء بديل يحمي السيادة، ويصون الحريات، ويضمن العدالة، ويمنع إعادة إنتاج التبعية والاستبداد.
الشعب ليس رعية أبدية، والوطن ليس ملكاً للحاكم، والتاريخ لا يمنح صكوك بقاء لمن يفقد ثقة الناس.
إن إرادة الشعوب قادرة على فتح أبواب التغيير، متى تحولت إلى وعي منظم، ومشروع وطني جامع، وإصرار على استعادة القرار المستقل.
فسوريا الشام لا تحتاج إلى سلطة تتعلم كيف تصمت أقل، بل إلى إرادة شعبية تستعيد الوطن من الارتهان، وتفتح طريق السيادة والحرية والكرامة.
د. نبيلة عفيف غصن
