تأتي الانتخابات الأخيرة لتعكس حالة استثنائية من عدم اليقين والسيولة السياسية في الولايات المتحدة؛ حيث لم تعد المعركة الانتخابية تقتصر على التنافس التقليدي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بل امتدت لتشهد صراعاً داخلياً محدوماً ضمن أروقة الحزبين وتراجعاً غير مسبوق في ولاء القواعد الانتخابية.
كشف تقرير صحيفة وول ستريت جورنال عن حراك هيكلي يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية الأمريكية، متأثراً بتراكم الاستياء الشعبي من المؤسسة التشريعية، وتصاعد تيار المستقلين، وإعادة تعريف الهويات الحزبية في وجه قضايا التضخم، والرسوم الجمركية، والسياسة الخارجية.
أولاً: أزمة الشرعية المؤسسية وتصاعد “كتلة الغضب الشديد”
تتجسد الأزمة الراهنة في التآكل الحاد للثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية التقليدية، وهو ما عكسه بوضوح استطلاع معهد “غالوب”:
استياء تاريخي من الكونغرس: وصل نسبة الناخبين الذين يرى كل منهم أن أعضاء الكونغرس يستحقون إعادة الانتخاب إلى 15% فقط، وهي أدنى نسبة تُسجل منذ بدء هذا القياس عام 1994، مما يعكس حالة نقمة عارمة ضد الجمود التشريعي والانقسام الحزبي الداخلي.
صعود الكتلة المستقلة: سجلت نسبة الأمريكيين الذين يعرّفون أنفسهم كمستقلين 45% من إجمالي الناخبين في العام الماضي، وهي نسبة قياسية تحول المستقلين إلى الأغلبية الحقيقية في الشارع. يعكس هذا الرقم رفض قطاعات واسعة من الشعب الالتزام بالأجندات الحزبية المغلقة، لا سيما بين فئتي الشباب وسكان المناطق الريفية اللذين يتأثران بالواقع الاقتصادي بشكل مباشر.
ثانياً: تشقق الجبهة الجمهورية وتحولات تيار “ماغا” (MAGA)
يعيش الحزب الجمهوري مخاضاً داخلياً معقداً يتعلق بالهوية والهيمنة السياسية، وتتضح أبرز ملامحه في النقاط التالية:
انحسار مد “ماغا”: انخفضت نسبة الجمهوريين المتماهين مع حركة “جعل أمريكا عظيمة مجدداً” من 68% في عام 2025 إلى 57% في عام 2026، بينما ارتفعت نسبة غير المنتمين للحركة من 28% إلى 39%. يؤشر هذا التحول إلى صعود التيار المؤسسي والتقليدي داخل الحزب من جديد، أو على الأقل استعادة بعض الأصوات التي ترغب في فصل الحزب عن العباءة الرمزية لترامب.
اتساع دائرة التنافس في معاقل تقليدية: تراجعت الأغلبية المريحة للجمهوريين في مجلس النواب مع وجود احتمال أقل لفقدان أغلبيتهم في مجلس الشيوخ. وباتت المقاعد في ولايات حمراء تاريخية فاز بها ترامب بفارق 10 نقاط مئوية أو أكثر قبل عامين موضع منافسة محتدمة، ومنها تكساس، وأوهايو، وآيوا، وألاسكا، وكانساس، مما يوضح تآكل الفوارق الانتخابية نتيجة الضغوط الاقتصادية والسياسية المباشرة.
الملفات الخلافية الحاكمة:
الملف الاقتصادي: واجهت سياسات الرسوم الجمركية وارتفاع الأسعار والتضخم انتقادات علنية من مرشحين جمهوريين خالفوا ترامب تخوفاً من العقاب الانتخابي من قبل الطبقة العاملة.
السياسة الخارجية: أثارت الممارسات الجيوسياسية والتصعيد المتعلق بالحرب مع إيران انقساماً بين أجنحة الحزب.
أزمة الترشيحات: انتقد بعض قادة الحزب دعم ترامب لمرشحين يفتقرون للخبرة أو يواجهون مشكلات سياسية وقانونية، مما أدى إلى شق الصف الجمهوري.
ثالثاً: الانقسام الديمقراطي وصراع الأجنحة الأيديولوجية
لا يختلف الوضع لدى الحزب الديمقراطي؛ حيث يسعى الحزب جاهداً لإيجاد صيغة توازن بين جناحه التقدّمي وجناحه الوسطي:
نموذج ولاية ميشيغان الانقسامي: يتجلى هذا الصراع في سحب النائبة هيلي ستيفنز تأييدها لـ عبد الرحمن السيد، الذي هزمها بفارق ضئيل في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ، وتأييدها للمرشح الجمهوري مايك روجرز، مع اتهامها للسيد بخلط أجندته التقدمية بمعاداة السامية. يعكس هذا الموقف اتساع الهوة وتراشق التهم الدائرة حول قضايا السياسة الخارجية والأجندات التقدمية، مما يهدد بتآكل القواعد الشعبية للحزب في ولايات مفصلية.
التنافس بين الأجنحة الحزبية: يستمر التنافس الداخلي بين التيار التقدمي والتيار الوسطي، والملفت بروز مجموعة “ديمقراطيو الأغلبية” بقيادة جيك أوشينكلوس، التي تدعو إلى التركيز على الطبقة الوسطى واقتصاد السوق والوسطية السياسية لاستعادة الشارع الأمريكي.
رابعاً: ديناميكيات الانتخابات التمهيدية وصعود الجيل الجديد
عقبة الانتخابات التمهيدية: ينقل التقرير عن الباحث روي تيشيرا أن ناخبي الانتخابات التمهيدية أكثر اندفاعاً أيديولوجياً من عموم الناخبين. تمثل هذه الديناميكية العقبة الأكبر أمام تحرك الحزبين نحو الوسط، إذ تفرض اختيار مرشحين أكثر راديكالية، مما يصعّب مهمة اختيار مرشحين وسطيين قادرين على بناء أغلبية دائمة واستقطاب المستقلين في الانتخابات العامة.
صعود القيادات الشبابية: يبرز التقرير دخول جيل جديد من الساسة المشهد السياسي، مثل الديمقراطيين جون أوسوف (39 عاماً) وجيمس تالاريكو (37 عاماً)، والجمهوري براندون غيل (32 عاماً). يعكس هذا الصعود التحول في أدوات الحشد السياسي، حيث اجتذب أوسوف ثلاثة ملايين متابع على الأقل على وسائل التواصل، فيما يملك غيل نحو مليوني متابع على إنستغرام وإكس، مما يظهر الاعتماد المكثف على المنصات الرقمية لمخاطبة الفئات الشابة.
سيولة الأصوات وتأرجح الكتل: أبلغت نسب معتبرة من الناخبين اللاتينيين والشباب وسكان الريف وبعض ناخبي الطبقة العاملة مستطلعي الرأي بأنهم قد يمتنعون عن التصويت أو يحولون تأييدهم إلى الحزب الآخر. يوضح هذا الاستعداد أن الأحزاب لم تعد تملك “قواعد مضمونة”، مما يجعل النتائج الانتخابية محكومة بلحظة التصويت ومدى القدرة على التعبئة.
الخلاصة: المشهد المفتوح على كافة الاحتمالات
تعيش الولايات المتحدة حالة من الاستقطاب المزدوج؛ استقطاب عمودي بين الحزبين، واستقطاب أفقي حاد داخل كل حزب على حدة.
إن تزايد كتلة الناخبين المستقلين إلى مستويات قياسية مع تراجع الرضا عن أداء المؤسسة التشريعية يضع النظام السياسي أمام مرحلة إعادة تشكل واسعة النطاق. تشير كافة المعطيات إلى أن أمريكا تدخل مرحلة من الفوضى وعدم اليقين والمخاض السياسي الكبير، حيث لم تعد الخرائط الانتخابية التقليدية قادرة على إعطاء إجابات حاسمة حول هوية الأغلبية القادمة وطبيعة التوجهات المستقبلية لواشنطن.
د. نبيلة عفيف غصن
