في المشهد الإقليمي الراهن، لم يعد الخط الفاصل بين العمل العسكري والمسعى السيادي واضحاً، بل امتزج المساران ليشكلا نمطاً جديداً من إدارة الأزمات في الشرق الأوسط. فحينما تستهدف الضغوط العسكرية الأمريكية المواقع الحساسة —كمنشآت الدفاع الجوي ومحطات الرادار في جزيرة قشم ذات الأهمية الجغرافية في مضيق هرمز— بالتزامن مع حركة الوفود الدبلوماسية بين الدوحة وطهران، يصبح جلياً أن ما يشهده الإقليم ليس صراعاً بين الخيار العسكري والخيار السلمي، وإنما هو تنسيق متكامل بين الأمرين.
إن القراءة المتأملة والتفصيلية للتطورات الأخيرة تتجاوز مجرد سرد الأحداث إلى تفكيك الدوافع والأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية لكل طرف من أطراف هذه المعادلة المعقدة.
أولاً: المنظور الأمريكي.. التصعيد المقترن بالتواصل
تعتمد الإدارة الأمريكية تكتيكاً مزدوجاً يهدف إلى ممارسة أقصى درجات الضغط دون إغلاق منافذ الحوار بالكامل:
توظيف الرسائل النارية: لا تقتصر الأهداف الميدانية للضربات الموضعية على إضعاف القدرات الدفاعية للطرف الآخر فحسب، بل تُستخدم كأداة لتوجيه رسالة سياسية مفادها أن الاستمرار في رفض الشروط سيزيد من كلفة المواجهة وتداعياتها على البنية التحتية.
الاستثمار في الفضاء السياسي: يُتيح فتح قنوات التفاوض الخلفية عبر الوسطاء للإدارة الأمريكية إظهار الحرص على الخيارات السلمية أمام الرأي العام الداخلي، مما يمنحها مرونة في التسويق السياسي الداخلي بوصفها طرفاً يسعى للحلول الدبلوماسية رغم التوترات.
التوازي بين الخيارين: إن تقديم المقترحات بالتزامن مع العمليات الميدانية ليس تناقضاً في السلوك، بل يمثل منهجية تهدف إلى إبقاء الطرف الآخر تحت تأثير الضغط المستمر لحثه على إعادة تقييم مواقفه.
ثانياً: البُعد الاقتصادي.. خنق الممر وتطويع الأسواق
تُمثل جزيرة قشم والمناطق المتاخمة لها العصب الحقيقي لأحد أهم شرايين الطاقة العالمية. ومن هذا المنطلق، لا تُعد الاستهدافات العسكرية للمنظومات الدفاعية مجرد تفاصيل تكتيكية، بل تقف خلفها حسابات اقتصادية دقيقة:
أمن الملاحة واحتواء تسعير النفط: يسعى الجانب الأمريكي من خلال توجيه ضغوط عسكرية في هذه المنطقة الحساسة إلى تحييد أي مخاطر قد تهدد حريات الملاحة وتدفّق إمدادات النفط. إن الاستقرار الحذر في أسواق الطاقة يُعدّ مكسباً حيوياً للإدارة الأمريكية لضمان ضبط أسعار الوقود ومعدلات التضخم.
حروب الشلل المالي والتأمين البحري: تؤدي الهجمات والتهديدات المتبادلة في الممر المائي إلى رفع أسعار تأمين المخاطر البحرية (War Risk Premiums) على ناقلات النفط والسفن التجارية. وتُمثل هذه الكلفة الإضافية أداة ضغط غير مباشرة تُنهك الاقتصاد الإيراني المتضرر أساساً من العقوبات.
المساعي لإزالة حظر الشريان الاستراتيجي: ترى طهران في قدرتها على التأثير في حركة الشحن عبر مضيق هرمز الورقة الاقتصادية الأكثر تأثيراً؛ ولذلك تفشل المحاولات التفاوضية كلما حاولت المبادرات الغربية نزع هذه الورقة دون تقديم مقابل ملموس يتمثل في رفع شامل للعقوبات وتسهيل صادرات الطاقة.
ثالثاً: الدور القطري والحسابات الإقليمية
على الجانب الآخر، تُمثل هذه المواجهة اختباراً حقيقياً للتوازنات الجيوسياسية بين دول المنطقة، حيث تتقاطع المصالح وتتباين المخاطر:
تستند السياسة الخارجية القطرية في هذه الأزمات إلى بناء موقع محوري كقناة تواصل موثوقة ومستقلة بين أطراف لا تتحدث مباشرة. هذا الدور لا يقتصر على تقديم الخدمات الدبلوماسية فحسب، بل يمنح الدوحة مكاسب جيوسياسية وتعزيزاً لمكانتها الدولية كعنصر توازن لا غنى عنه، بالإضافة إلى حماية أمنها القومي ومشروعاتها الكبرى في تصدير الغاز الطبيعي المسال عبر الخليج.
ورغم أن بعض المقترحات والمبادرات —مثل خطط التهدئة المؤقتة— قد تقابل بالرفض من قبل طهران بوصفها صيغاً غير متوازنة، إلا أن استمرار الوساطة بحد ذاته يظل هدفاً استراتيجياً يُحافظ على خطوط التواصل مفتوحة ويمنع الانزلاق نحو المواجهة الشاملة التي تخشاها جميع دول المنطقة لما لها من تداعيات على البنى التحتية النفطية والملاحية.
رابعاً: الحسابات الإيرانية.. الصمود والمناورة
تتعامل طهران مع هذه الضغوط وفق استراتيجية حذرة تجمع بين الصلابة السياسية والمرونة التكتيكية:
من حيث الموقف من المبادرات المطروحة، تنظر القيادة الإيرانية إلى المقترحات الواردة عبر الوساطات بصفتها محاولات لإملاء الشروط تحت تأثير الضغط العسكري والاقتصادي، وهو ما يدفعها للتعبير عن رفضها لهذه الصيغ للحفاظ على توازن القوة ومكتسباتها الإقليمية.
أما على الصعيد الميداني، فتعتمد طهران استراتيجية امتصاص الضربات الموضعية والتقليل من آثارها، مشددة على عدم تقديم تنازلات جوهرية تحت وقع التهديد. وفي الوقت نفسه، لا تُغلق طهران قنوات الاتصال بشكل كامل، بل تستفيد من الاتصالات الواردة عبر الدوحة للتعرف على حدود التفكير الأمريكي وتقييم مدى جدية الخيارات المطروحة، مما يمنحها هامشاً للمناورة وتقليل فرص المفاجآت غير المحسوبة.
خامساً: الآفاق المستقبلية لنمط “إدارة الصراع”
تؤكد المعطيات الحالية أن هذا النمط المزدوج من التعامل يرسم ملامح مرحلة تتسم بالتعقيد وعدم اليقين:
أولاً، إن غياب الثقة المتبادلة واستمرار استخدام القوة كخلفية للمفاوضات يجعل من الصعب التوصل إلى اتفاقات دائمة في المدى القريب، حيث يُركز كل طرف على إدارة سقف التصعيد بدلاً من الوصول إلى حلول جذرية.
ثانياً، يظل خطر الحسابات الخاطئة قائماً ومتزايداً؛ إذ إن أي تصعيد ميداني غير مقصود أو خطأ في تقدير الردود قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة وتجاوز حدود السيطرة، مما يُبطل أثر الجهود الدبلوماسية الموازية ويُربك أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي النهاية، يبدو أن المشهد الإقليمي يتجه نحو الاستمرار في حالة من التوازن القلق، حيث تتداخل أصوات التهديد العسكري والضغط الاقتصادي مع مساعي الوساطة الدبلوماسية، ليظل الإقليم في منطقة رمادية بين التصعيد الشامل والتسوية النهائية.
د. نبيلة عفيف غصن
