من غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا إلى إيران: كيف تحولت معركة الصمود والمقاومة إلى اختبار لضمير العالم ومستقبل المنطقة؟
مقدمة: حين تصبح دماء الشهداء أقوى من آلة الحرب والإعلام
لم تعد المظلومية التي تعيشها غزة، والعدوان على جنوب لبنان، والتوغلات الصهيونية في جنوب سوريا، وما تعرض له الشعب الإيراني من عقوبات وتهديدات واعتداءات، أحداثاً منفصلة، بل حلقات في مشروع واحد يسعى إلى إخضاع المنطقة لمعادلات الهيمنة الأميركية والصهيونية، وتكريس التفوق العسكري للكيان الصهيوني على حساب سيادة شعوبها وحقها في تقرير مصيرها.
لكن ما لم تحسب القوى المهيمنة حسابه هو أن الدماء التي تُسفك، والأرض التي تُدمّر، والحقوق التي تُنتهك، يمكن أن تتحول إلى قوة تاريخية تهزّ الرواية الرسمية وتكشف التناقض بين شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والممارسات الفعلية.
لقد شاهد العالم مأساة غزة، وتابع معاناة جنوب لبنان، ورصد الاعتداءات على سوريا وإيران. ولم تعد الحكومات الغربية قادرة على احتكار تفسير الأحداث أو التحكم الكامل بالرأي العام. والمفارقة أن جامعات الغرب شهدت تحركات طلابية واسعة دفاعاً عن فلسطين، بينما لا تزال مجتمعات المشرق عاجزة عن تحويل آلامها المشتركة إلى مشروع شعبي مستقل ومستدام.
أولاً: من غزة إلى إيران… سقوط الرواية وافتضاح مشروع الهيمنة
شكّلت الحرب على غزة منعطفاً في الصراع على الشرعية الأخلاقية والسياسية. فقد وضعت المشاهد الإنسانية وشهادات الصحفيين والأطباء والناجين المجتمعات الغربية أمام حقيقة يصعب تبريرها، وأسقطت محاولات اختزال القضية الفلسطينية في اعتبارات أمنية، متجاهلة الاحتلال والتهجير والحصار والاستيطان.
لم تعد القضية بالنسبة إلى أجيال غربية جديدة مجرد نزاع سياسي، بل أصبحت اختباراً للعدالة وحقوق الشعوب وتقرير المصير. وهكذا أثبتت غزة أن التفوق العسكري لا يعني التفوق الأخلاقي، وأن القدرة على تدمير المدن لا تعني القدرة على إخضاع إرادة أصحاب الأرض.
وفي جنوب لبنان، لم يكن العدوان مجرد مواجهة حدودية، بل محاولة لفرض معادلة أمنية وسياسية تتحكم بمستقبل لبنان وقراره السيادي. وقد دفع المدنيون أثماناً باهظة من الشهداء والتهجير وتدمير القرى والمنازل، لكن الجنوب بقي جزءاً من الذاكرة الوطنية ومعادلة الكرامة والسيادة. إن رفض العدوان لا يعني منح أي جهة سياسية حصانة من المساءلة، بل يعني رفض تطبيع الاعتداء على الأرض وتحميل المعتدى عليه وحده مسؤولية البحث عن الأمن.
أما سوريا الشام، ولا سيما جنوبها، فتواجه خطراً يتجاوز التوغلات والانتهاكات العسكرية إلى محاولة فرض وقائع تنتقص من سيادة الدولة ووحدة الأرض. ولا يمكن أن يكون أمن الكيان الصهيوني مبرراً لاستباحة الأراضي السورية، كما أن مواجهة الاعتداء الخارجي تستوجب دولة وطنية مستقلة، تحمي جميع مكوّنات الشعب السوري وترفض الوصاية والارتهان للخارج.
وفي إيران، تتجلى معركة أخرى ضد سياسة العقوبات والتهديدات والضغوط الرامية إلى إخضاع دولة وانتزاع استقلال قرارها. ومن حق الشعب الإيراني الأمن والتنمية والسيادة، كما أن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، متى وقع، انتهاك يجب إدانته وفق القانون الدولي، بصرف النظر عن الخلافات السياسية مع طهران. فالعقوبات التي تطاول حياة المواطنين وصحتهم ومعيشتهم ليست بديلاً عن العدالة والدبلوماسية.
إن تعدد هذه الساحات لا يلغي خصوصية كل قضية، لكنه يكشف ترابط أدوات الهيمنة: القوة العسكرية، والحصار الاقتصادي، والضغط السياسي، والحرب الإعلامية، والتدخل في البنى الداخلية للمجتمعات.
ثانياً: دماء الشهداء وانتفاضة الضمير في الغرب
لم تعد آثار المظلومية محصورة في الشارع العربي أو الإسلامي. فقد تحولت الجامعات الأميركية والأوروبية إلى ساحات احتجاج ومساءلة، وخرج طلاب من خلفيات فكرية ودينية مختلفة رفضاً للحرب على غزة، ومطالبين بمراجعة العلاقات والاستثمارات الجامعية المرتبطة بما يرونه انتهاكات لحقوق الإنسان.
واجه بعض هؤلاء الطلاب إجراءات تأديبية واعتقالات وضغوطاً أكاديمية واجتماعية، لكنهم كشفوا أن ضمير المجتمعات لا يتطابق بالضرورة مع سياسات الحكومات.
وهنا تتجلى المفارقة القاسية: طالب غربي بعيد جغرافياً عن فلسطين قد يخاطر بمستقبله الأكاديمي دفاعاً عن أطفال غزة، فيما تعجز قطاعات من مجتمعات المشرق عن بناء حركة مدنية مستقلة تتجاوز الانقسامات الحزبية والطائفية.
لقد أصبحت فلسطين قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء، وأثبتت أن العدالة قادرة على استقطاب ضمائر حرة، حتى في قلب المجتمعات التي تقدم حكوماتها الدعم السياسي والعسكري للعدوان.
ثالثاً: الانتخابات الأميركية والإسرائيلية… كلفة سياسية متزايدة
بدأت السياسات الخارجية تتحول إلى عامل ضغط داخل البيئة الانتخابية الغربية. ففي الولايات المتحدة، كشفت حملة التصويت غير الملتزم خلال الانتخابات التمهيدية الديمقراطية عام 2024، والاعتراضات داخل الحزب الديمقراطي، عن تراجع الإجماع حول الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني.
ولا يعني ذلك أن الموقف الأميركي الرسمي تبدّل، أو أن جميع الناخبين غيّروا خياراتهم، لكنه يؤكد أن القضية الفلسطينية أصبحت قادرة على إحداث انقسامات داخل قواعد انتخابية كانت تُعدّ مضمونة الولاء.
وفي الكيان الصهيوني، كشفت الحرب خلافات متزايدة حول القيادة والأهداف العسكرية وملف الأسرى وكلفة المواجهة ومستقبل المجتمع. فاستمرار الحرب لا يضمن استقرار السلطة، وتراجع شعبية الحكومة لا يعني تلقائياً سقوط المشروع الصهيوني، لكنه يجعل استمرار السياسات نفسها أكثر كلفة داخلياً وخارجياً.
والأخطر استراتيجياً هو اتساع الفجوة بين الدعم الرسمي الغربي والقبول الشعبي، ولا سيما لدى الأجيال الشابة. فالدعم الحكومي قد يستمر، لكن الشرعية الأخلاقية لا يمكن فرضها إلى الأبد.
رابعاً: لماذا لم يتحول ألم المشرق إلى قوة شعبية جامعة؟
لا يصح القول إن مجتمعات المشرق لم تتحرك؛ فقد شهدت مظاهرات ومبادرات إغاثية وإعلامية وتضحيات جسيمة. لكن هذه التحركات لم تتحول إلى قوة مدنية وسياسية مستدامة قادرة على التأثير في القرارات.
وتعود هذه المفارقة إلى عوامل متداخلة، أبرزها الخوف من القمع والملاحقة، والطائفية التي حوّلت القضايا الوطنية إلى سجالات فئوية، والتبعية للمحاور الخارجية، والاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي الناتج من الفقر والبطالة والهجرة، فضلاً عن غياب المشروع الجامع الذي يربط السيادة بالعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان.
وهنا تبرز خطورة القوى السياسية التي تجعل قرارها رهينة الخارج، وتتعامل مع السيادة باعتبارها تفصيلاً تفاوضياً. فالهيمنة لا تحتاج دائماً إلى احتلال مباشر؛ يكفيها أحياناً تفكيك المؤسسات، وتغذية الانقسامات، وإنتاج نخب ترتبط مصالحها باستمرار النفوذ الخارجي.
إن أخطر الهزائم ليست خسارة معركة، بل فقدان المجتمع قدرته على تحديد مصالحه والدفاع عن قراره المستقل.
خامساً: من المقاومة إلى النهضة… استعادة إرادة الإنسان والمجتمع
 لا يمكن اختزال الصراع في المواجهة العسكرية. فالمعركة الأعمق هي معركة الوعي والوجود والإرادة، وبناء مجتمع يمتلك وحدته وقدرته على حماية أرضه ومصالحه.
إن المشرق بحاجة الى مشروع بناء المجتمع الجديد على أسس العلم والمعرفة والأخلاق والنظام، وتجاوز العصبيات التي تعيق إدراك المصالح المشتركة. ومن هنا، يصبح الوعي بالنحن شرطاً أساسياً لمواجهة التفكيك والهيمنة، وتصبح العقلية الأخلاقية الجديدة مدخلاً لإعلاء المصلحة العامة فوق المنافع الفئوية.
فالمقاومة لا تنفصل عن بناء الدولة والمؤسسات، والنهضة لا تنفصل عن الدفاع عن الأرض والسيادة والحقوق. ولا يكفي أن نرفض الهيمنة الخارجية إذا كنا نقبل الاستبداد الداخلي، أو أن نرفع شعار السيادة فيما نعجز عن بناء مؤسسات عادلة تحمي الإنسان وكرامته.
إن المشروع المطلوب هو مشروع يجمع بين استقلال القرار الوطني، ووحدة المجتمع، والدولة القادرة، والعدالة، وإنتاج إنسان حر ومسؤول، يمتلك إرادته ويشارك في صناعة مستقبله.
خاتمة: الغرب بدأ يسائل حكوماته… فمتى يستعيد المشرق إرادة النهوض؟
لقد كشفت مظلومية غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا ومعاناة الشعب الإيراني أن التفوق العسكري لا يمنح الشرعية، وأن السيطرة على الأرض لا تعني السيطرة على الوعي. واستطاعت دماء الشهداء أن تهزّ الرواية الرسمية، وأن تدفع قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية إلى مساءلة حكوماتها ومؤسساتها.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجه المشرق هو: كيف يستطيع الآخرون الدفاع عن قضايانا بجرأة، فيما نظل أسرى صراعاتنا الطائفية والحزبية والتبعية السياسية؟
كيف نقبل أن تتحول سيادة أرضنا إلى موضوع تفاوض بين القوى الكبرى، فيما نعجز عن بناء مؤسسات تحميها؟ وكيف نترك تضحيات الشهداء مادة للمزايدات، بدلاً من تحويلها إلى مسؤولية تاريخية لبناء مجتمع يحمي الأحياء ويصون مستقبل الأجيال؟
إن الدفاع عن غزة ليس موقفاً عاطفياً عابراً، والدفاع عن جنوب لبنان ليس قضية فئوية، ورفض الاعتداءات على سوريا ليس اعتراضاً حدودياً، والتضامن مع الشعب الإيراني ليس تأييداً آلياً لكل سياسات حكومته. إنها جميعاً قضايا تتصل بحق الشعوب في الحياة والحرية والسيادة وتقرير المصير.
لقد اهتزّ ضمير العالم، لكن مسؤوليتنا ألا نكتفي بالاحتفاء بهذا التحول. المطلوب تحويله إلى وعي وتنظيم ومشروع نهضوي جامع، يستعيد للمجتمع إرادته، ويحرر قراره من التبعية، ويواجه الهيمنة والاستبداد معاً.
فدماء الشهداء أمانة تاريخية، لا يجوز أن نكتفي برثائها؛ بل علينا أن نبني المجتمع الذي يستحق تضحياتهم، والدولة التي تحمي أبناءه، والنهضة التي تمنع تحويل أرضنا ومستقبلنا إلى رهينة لمشاريع الهيمنة.
د. نبيلة عفيف غصن