FILE PHOTO: NATO flag is seen during NATO enhanced Forward Presence battle group military exercise Silver Arrow in Adazi, Latvia October 5, 2019. REUTERS/Ints Kalnins/File Photo

من تصدير الحروب إلى ارتداداتها: سقوط وهم الحصانة
مقدمة: من يفتح أبواب النار لا يملك ضمانات النجاة من لهيبها
لعقود، تصرّفت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون على أساس أن الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للحروب والتدخلات والعقوبات وإعادة تشكيل موازين القوة، وأن الشعوب التي تقع خارج حدودهم تستطيع وحدها دفع أثمان هذه السياسات، فيما تبقى العواصم الغربية محصّنة خلف تفوقها العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي.
لكن هذه المعادلة لم تعد مضمونة. فالعالم الذي تتشابك فيه المصالح والتحالفات وشبكات الاتصال والاقتصاد لا يسمح بفصل الحروب عن ارتداداتها، ولا يمنح القوى المتدخلة حق إشعال الأزمات في الخارج ثم المطالبة بأمن مطلق في الداخل.
إن التحذيرات الأوروبية من تصاعد التهديدات الأمنية والعمليات السرية والتخريبية تفتح الباب أمام سؤال جوهري: إلى متى تستطيع الدول الغربية إدارة الصراعات في منطقتنا، ودعم الاعتداءات، وفرض الحصار، ثم التصرّف كأنها مجرد متفرّج بريء على نتائج سياساتها؟
المسألة ليست تبرير استهداف المجتمعات الأوروبية، بل كشف التناقض في منظومة تتعامل مع أمن الغرب باعتباره حقاً مطلقاً، بينما تترك أمن شعوب الشرق الأوسط رهينة حسابات القوة والهيمنة.
أولاً: أوروبا شريك في صناعة الأزمات
ليست أوروبا كتلة متجانسة، وليست جميع دولها متساوية في مسؤولياتها. لكن دولاً أوروبية تشارك في تحالفات عسكرية وأمنية تقودها واشنطن، وتوفر بدرجات متفاوتة دعماً سياسياً أو لوجستياً، وتشارك في منظومات العقوبات والضغوط التي تستهدف دولاً وقوى رافضة للهيمنة الأميركية.
وعليه، لا يمكن تصوير هذه الدول باعتبارها خارج المعادلة، فيما تسهم خياراتها في رسم موازين الصراع.
لقد أسهمت التدخلات العسكرية وسياسات الحصار والانحياز إلى الكيان الصهيوني في تعميق أزمات المنطقة وإطالة أمد مواجهاتها. وحين تُمنح إسرائيل الغطاء السياسي والعسكري لمواصلة اعتداءاتها، فيما تُحاصر الأطراف التي تواجهها وتُجرَّد من حقها في الدفاع عن قضاياها، فإن ذلك لا يصنع سلاماً؛ بل يراكم أسباب الانفجار.
لا يجوز للغرب أن يحتكر قرار الحرب، ثم يتبرأ من مسؤولية البيئة التي تصنعها حروبه.
ثانياً: أمن الغرب مقدّس وأمننا قابل للتضحية؟
هنا تتجلى ازدواجية المعايير بأوضح صورها. فعندما يتعرض أمن دولة غربية للتهديد، تتحرك المؤسسات السياسية والأمنية، وتُعقد الاجتماعات، وتُصدر التحذيرات، ويُستدعى القانون الدولي لحماية السيادة والمصالح. لكن عندما يتعرض الفلسطينيون واللبنانيون وسائر شعوب المنطقة للقتل والدمار والتهجير، تتحول الحقوق إلى موضوع للمساومة، وتُختزل المأساة في بيانات القلق والدعوات الانتقائية إلى ضبط النفس.
أيّ شرعية تبقى لنظام دولي يُطبّق القانون فيه وفق هوية المعتدي والضحية؟ وأيّ مصداقية لخطاب حقوق الإنسان حين تُصبح حياة الإنسان الغربي أولوية، بينما تُعامل حياة الإنسان في منطقتنا كأنها تفصيل في حسابات الاستراتيجية؟
إن هذه الازدواجية ليست مجرد خلل أخلاقي؛ إنها أزمة سياسية تضرب الثقة بالنظام الدولي وتكشف أن الشعارات المعلنة لا تتطابق دائماً مع المصالح التي تحرك السياسات.
ومن حق الدول حماية مجتمعاتها من التخريب والعنف، لكن ليس من حقها توظيف المخاوف الأمنية لتجريم كل خصم سياسي، أو تبرير التصعيد، أو إعفاء سياساتها الخارجية من المساءلة.
ثالثاً: الحرب الهجينة واحتكار أدوات المواجهة
استخدمت القوى الكبرى، على امتداد عقود، أدوات التجسس والتضليل والضغط الاقتصادي والعمليات السرية للتأثير في خصومها. ولم تكن منطقتنا بمنأى عن هذه الممارسات، بل شهدت تدخلات خارجية ومحاولات لاختراق المجتمعات وإعادة تشكيل توازناتها، فضلاً عن عمليات اغتيال وتخريب في حالات تستوجب تحديد المسؤوليات على أساس الأدلة.
والمفارقة أن القوى التي اعتادت استخدام أدوات النفوذ والضغط خارج حدودها تتعامل مع احتمال انتقال المخاطر إلى بيئتها الأمنية باعتباره أمراً استثنائياً.
لكن سقوط احتكار القوة لا يعني أن كل عملية تخريبية هي رد مشروع، ولا أن كل تهديد أوروبي مرتبط حتماً بسياسة غربية سابقة. إنما يعني أن التفوق التكنولوجي والاستخباراتي لا يمنح حصانة مطلقة، وأن توسيع المواجهة يضاعف احتمالات سوء التقدير ويفتح أبواباً يصعب التحكم في نتائجها.
من يظن أن الحرب أداة مجانية لإخضاع الآخرين، يكتشف متأخراً أن القوة لا تستطيع ضمان السيطرة على كل ارتداداتها.
رابعاً: الكيان الصهيوني وكلفة الانحياز الغربي
يمثل الدعم الأميركي والغربي للكيان الصهيوني أحد أبرز عناصر اختلال ميزان القوة في المنطقة. فالمساعدات العسكرية والغطاء الدبلوماسي والحماية السياسية تمنح الاحتلال هامشاً واسعاً للاستمرار في سياساته، وتضعف الضغوط الدولية الرامية إلى وقف الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
لكن هذا الانحياز لا يلغي حقوق الشعوب، ولا يحوّل التفوق العسكري إلى شرعية، ولا يضمن تحقيق أهداف سياسية دائمة.
فالقوة قد تدمّر البنية التحتية، لكنها لا تستطيع محو الذاكرة الوطنية أو إلغاء إرادة الشعوب في الحرية والسيادة. وقد يحقق العدوان مكاسب ميدانية، لكنه يفاقم التناقضات ويعمّق أسباب الصراع عندما يغيب الحل السياسي العادل.
وكلما اتسعت الفجوة بين خطاب الغرب عن القانون الدولي وممارساته الفعلية، ازدادت كلفة انحيازه، وتراجعت مصداقيته، وظهرت حدود قدرته على فرض روايته على العالم.
خاتمة: انتهى زمن الحصانة المطلقة
إن معادلة الاشتباك العابر للحدود تضع الهيمنة الغربية أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها: لا يمكن إشعال الحروب في الشرق الأوسط، وتغذية الصراعات، ودعم الاعتداءات، ثم افتراض أن العواصم الغربية ستبقى بمنأى عن جميع التداعيات.
لكن الرد على الهيمنة لا يكون باستهداف المدنيين، أياً كانت جنسياتهم، بل بمواجهة السياسات التي تنتج الحروب، وفضح ازدواجية المعايير، وفرض احترام السيادة والقانون الدولي على الجميع.
إن المطلوب من الدول الأوروبية ليس الاكتفاء بتعزيز أجهزتها الأمنية، بل مراجعة مشاركتها في السياسات التي تؤجج الصراعات، والكف عن التعامل مع أمن شعوب منطقتنا باعتباره أقل قيمة من أمن مجتمعاتها.
فلا أمن يُبنى على أنقاض أمن الآخرين، ولا سلام يولد من رحم الاعتداء، ولا هيمنة تستطيع إلى الأبد الهروب من كلفة سياساتها.
لقد آن الأوان لأن تدرك القوى الغربية أن العالم ليس ساحة مستباحة لإرادتها، وأن شعوب المنطقة ليست أدوات في مشاريعها، وأن التفوق العسكري لا يمنحها حق احتكار السيادة أو تعريف العدالة وفق مصالحها.
من يفتح أبواب النار على الآخرين لا يستطيع أن يضمن بقاء بيته بمنأى عن دخانها. ومن يريد الأمن لعواصمه، فليتوقف عن صناعة الحروب لشعوب العالم.
د. نبيلة عفيف غصن