غزة غيرّت العالم وكشفت الحقائق

نبيل الجمل

لم تكن غزة مجرد بقعة جغرافية صغيرة تواجه حرب إبادة وتدمير، بل كانت المجهر الكاشف الذي وضع العالم بأسره، بمؤسساته ومنظوماته وشعوبه، أمام مرآة الحقيقة العارية التي لم يعد ممكناً إخفاؤها. لقد أحدثت ملحمة الصمود والبطولة في قطاع غزة زلززالاً أخلاقياً وسياسياً هز الضمير العالمي، وأسقطت كل مساحيق التجميل عن وجه النظام الدولي ومؤسساته العريقة التي طالما تغنت بشعارات حقوق الإنسان والعدالة الدولية. فعلى صعيد العرب والمسلمين، شكلت محنة غزة اختباراً قاسياً ومفصلة تاريخية أظهرت حجم الهوة بين تطلعات الشعوب الحية ومواقف الأنظمة الرسمية، وكشفت زيف الوعود والخطابات التي ظلت لعقود تتشدق بنصرة القضية الفلسطينية بينما كانت عاجزة أو متواطئة أمام هول المجازر والدمار. أما على المستوى الدولي، فقد سقطت دعاوى حقوق الإنسان عند أبواب غزة، وتبددت هالة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليتحولا إلى منصات عاجزة عن حماية طفل رضيع أو إدخال رغيف خبز، مما أثبت أن هذه المنظومة الدولية لم تكن سوى أداة بيد القوى الكبرى لتكريس الهيمنة وحماية الجناة. وفي المشهد ذاته، سقطت مصداقية المحاكم الدولية ومحكمة العدل، وبات واضحاً للقاصي والداني عجز العدالة الدولية عن إنصاف المظلومين ومحاسبة مجرمي الحرب طالما أن الضحية فلسطيني والجاني يحظى بمظلة حماية غربية مطلقة. وفي قلب هذا المخاض العسير، صدقت الصحفية الأمريكية آبي مارتن حين لخصت هذا التحول الجذري بالقول: “غزة غيرت العالم، وغيّرت كل واحد منا، وكشفت حقيقة الجميع”، لتؤكد أن دماء الأبرياء في غزة لم تذهب سدًى، بل مزقت كل الأكاذيب والأقنعة، وفرضت واقعاً فكرياً وأخلاقياً جديداً يدرك فيه أحرار العالم أجمع أن النظام العالمي الحالي قد سقط سقوطاً أخلاقياً مدوياً، وأن الحق الفلسطيني أبقى وأرّسخ من كل آلات القتل والتواطؤ الدولي.