يشهد النظام الدولي والإقليمي مخاضاً عسيراً وتحولات عميقة تعيد صياغة قواعد الاشتباك وتفكيك أوهام الهيمنة الأحادية.

إن قراءة متفحصة لوحة المشهد الراهن — ابتداءً من التصدعات الكبرى في استراتيجيات الحصار الأمريكي – الإسرائيلي وصولاً إلى جبهات الإسناد المشرقية، مروراً بالتحولات الدبلوماسية والاقتصادية الأوروبية والغربية — تكشف عن انتقال الصراع من مجرد مواجهات عسكرية تكتيكية إلى صراع استراتيجي هيكلي يطال بنية الأمن العالمي وأمن الطاقة واستقرار الكيانات السياسية.

أولاً: الصدع الاستراتيجي في الخليج ومأزق القوة البحرية الأمريكية

سقطت رهانات واشنطن على كسر الإرادة الإيرانية عبر حملة «المنبوذ الاقتصادي» وتدابير الحصار البحري المشدد؛ فعوضاً عن إخضاع طهران، ارتدت الحرب الاقتصادية لتصيب الاقتصاد الأمريكي والغربي في مقتل، مترجمةً نفسها في قفزة أسعار النفط الخام مقتربةً من حاجز المئة دولار للبرميل، وتجاوز أسعار الوقود والبنزين في السوق الأمريكية مستويات تاريخية غير مسبوقة منذ عقود. ولم تتوقف التداعيات عند التضخم وضغوط الطاقة، بل امتدت لتطال عمق الردع العسكري الأمريكي.

لقد أثبت الميدان البحري في مضيق هرمز عجز الأسطول الأمريكي عن توفير المظلة الأمنية الموثوقة لحركة الشحن، وتجلّى ذلك ساطعاً في التراجع المستمر لحركة الناقلات، واللجوء الأمريكي المستمر لاستنزاف الاحتياطي النفطي الاستراتيجي ليصل إلى أدنى مستوياته منذ ثمانينيات القرن الماضي.

والأكثر دلالة في هذا السياق هو التطور النوعي للرد الإيراني، والمتمثل في فرض منطقة حظر بحري، واستهداف القطع الحربية المعتدية، وصولاً إلى الإنجاز الاستخباراتي والعسكري المتمثل بالسيطرة على غواصة مسيّرة أمريكية متطورة (من طراز Dive-LD)، فضلاً عن الضربات الصاروخية المركزة التي استهدفت قواعد ومقرات عسكرية وحيوية متقدمة في المنطقة — كقاعدة الأزرق في الأردن واستهداف المدمرتين الأمريكيتين ذات منظومة «إيجيس» — ما فضح هشاشة البنية التحتية العسكرية للوجود الأمريكي وأجبر دوائر القرار في واشنطن والبنتاغون على نقاشات جدية لتقليص الوجود الدائم والانكفاء أمام تصاعد الكلفة البشرية والعملياتية.

ثانياً: التصدعات الغربية والمشهد الأوروبي: بين مقاطعة المستوطنات ومعضلة الهوية

على الجانب الدبلوماسي والسياسي الغربي، تسجل الخريطة الدولية تصدعات لافتة في جدار الدعم المطلق لسياسات الاحتلال الإسرائيلي.

فقد شكل الإعلان المشترك لاثنتي عشرة دولة غربية — ضم بريطانيا وفرنسا وكندا إلى جانب دول أوروبية أخرى — بفرض قيود وطنية وحظر تجارة سلع المستوطنات غير القانونية، ردّ فعل حتمياً على التمادي الإسرائيلي في مشاريع الضم والاستيطان، لا سيما مشروع (E1) وعنف المستوطنات المتصاعد الذي يقوض أي أفق جدي لحل الدولتين. ورغم محاولات تل أبيب ومجالس الاستيطان وسم هذه الخطوات بمعاداة السامية، إلا أن تأثير “الدومينو” الدبلوماسي بات واقعاً يضيق الخناق تدريجياً على شرعية الاحتلال في المحافل الدولية.

في المقابل، يعكس المشهد السياسي الداخلي في أوروبا، وتحديداً صعود قوى اليمين المتطرف مثل حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) في الانتخابات المحلية الأخيرة بولاية ساكسونيا-أنهالت، معضلة كبرى ومعقدة للسياسة الإسرائيلية. فبينما ترحب الدوائر القومية الضيقة في إسرائيل بخطاب هذه الأحزاب المعادي للمسلمين والمهاجرين والذي يبدي دعماً تكتيكياً لإسرائيل، تتجاهل الذاكرة التاريخية وحقائق النزعة القومية الأوروبية التي طالما جعلت من “الآخر” هدفاً لها، مما ينذر بخطر كامن على الجاليات اليهودية ذاتها عندما ينقلب المجتمع الأوروبي للتساؤل عن الهوية والانتماء.

إن استبدال المبادئ الأخلاقية والممانعة التاريخية للنازية بمصالح آنية عابرة يعكس أزمة عميقة في الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية ومسؤوليتها تجاه الشتات اليهودي.

ثالثاً: جبهات الإسناد وتكامل الساحات: اليمن، لبنان، وصمود المجتمع الحاضن

في الإقليم، تتكامل حلقات محور المقاومة لترسم معادلات الردع الميداني؛ ففي اليمن، تواصل القوات المسلحة اليمنية إدارة المعركة بكفاءة استثنائية، محبطةً محاولات الحرب النفسية والإعلامية التي تقودها قوى التحالف والدوائر الاستعمارية، ومؤكدةً استمرار إسنادها لغزة وفلسطين عبر إبقاء ورقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب ضغطاً استراتيجياً فاعلاً.

أما في لبنان، فتدور معركة مزدوجة؛ معركة ميدانية في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، ومعركة فكرية وسياسية داخلية حامية الوطيس حول دور الدولة ومفهوم السيادة وقرار السرب.

وفي هذا السياق، تبرز السجالات والنقاشات الحادة — مثل تلك التي أثارها “نداء النبطية الثاني” وما قابله من قراءات نقدية تحليلية عميقة — لتسلط الضوء على خطر الانفصام السياسي والسلوكي داخل البيئة الواحدة.

إن محاولة تحميل المقاومة وحدها وزر الاحتلال والعدوان عبر استدعاء مقولات “ازدواجية القرار” أو “سحب الذرائع”، إنما تشكل قلباً خطيراً لميزان الحقائق، حيث يُساوى فيه بين المعتدي الإسرائيلي والمقاومة التي تدافع عن الأرض والوجود، وتُبرأ الدولة من مسؤولياتها الاستراتيجية بينما تُرتهان خياراتها للضغوط الغربية.

إن النداءات الثقافية والاجتماعية الصادرة عن قواعد المقاومة ومجتمعها الحاضن تشدد على أن المعركة قد تجاوزت البُعد العسكري المباشر لتستهدف “المجتمع المدني المقاوم” كحصن استراتيجي وكتلة عقائدية حامية للمشروع التحرري.

ورغم فداحة الخسائر الاستثنائية والتضحيات الجسام في الأرواح والبنى التحتية، فإن التمسك بالوعي، وردع الأصوات المرجفة والفرارة، وإحباط محاولات تفكيك وحدة الصف الداخلي، تظل الشروط الموضوعية لقطع الطريق على تفليسة الهزيمة المفترضة.

خاتمة

إن المشهد العام لعام 2026 يؤكد أن المنطقة تقف على حافة تحول تاريخي كبير. فالغطرسة الإسرائيلية والغربية تصطدم بصخرة الثبات الاستراتيجي لقوى المقاومة في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران. ومع تآكل الردع الأمريكي في البحار وارتفاع كلفة الحروب على الاقتصادات الغربية، تتبدل قواعد الاشتباك ببطء وثبات لصالح قوى السيادة الحقيقية. وإن إدارة الأزمة الراهنة تتطلب وعياً عميقاً لطبيعة المعركة، ورفضاً قاطعاً لأفخاخ التضليل والاستسلام، وإيماناً راسخاً بأن النصر حصيلة صبر طويل وحسن إدارة للمواجهة الكبرى التي ترسم ملامح مستقبل المشرق بأسره.

د. نبيلة عفيف غصن مع