غزة تُذبح… والعالم يصرخ: مليون ونصف جنيه لغزة من فنّاني الغرب وفنّانو العرب اختفوا؟
د. نبيلة عفيف غصن
حين ينطق الضمير الإنساني في أقاصي الأرض ويصمت ذوو القربى، لا تكون المأساة مجرد كارثة تُرتكب بحق شعب، بل امتحاناً أخلاقياً يسقط فيه كثيرون من فوق منصاتهم اللامعة. في غزة، حيث تتواصل المأساة الإنسانية ويعيش المدنيون، وفي مقدمتهم الأطفال، تحت وطأة الموت والتهجير والجوع والدمار، جاء التضامن من أماكن بعيدة، حاملاً رسالة لا تحتاج إلى لغة مشتركة كي تُفهم: لا يجوز أن يمر هذا الألم في صمت.
برزت أسماء عالمية، من بينها إريك كانتونا وريتشارد جير وفلورنس بيو، في حملات ومبادرات تضامنية استخدمت الشهرة منبراً للموقف لا واجهة للهروب. وأسهمت هذه الجهود في جمع نحو 1.5 مليون جنيه إسترليني لدعم المساعدات الإنسانية والإغاثية والطفولة الفلسطينية. هنا تكمن المفارقة القاسية: شخصيات لا تربطها بغزة جغرافيا ولا هوية، وجدت الجرأة على الكلام والفعل، فيما اختار كثيرون في محيطنا العربي الصمت، أو الاحتماء بعبارات باهتة لا تُغضب أحداً ولا تنصر أحداً.
أي مشهد أكثر قسوة من أن يرتفع صوت من وراء البحار دفاعاً عن أطفال فلسطين، بينما يخفت صوت بعض من صنعهم الجمهور العربي؟ في لحظة يفترض أن تكون فيها المنابر جسوراً للإنسانية، تحولت حسابات بعض المشاهير إلى نشرات لا تعرف سوى الأزياء والاحتفالات والسفر والاستعراض، وكأن المأساة تقع في كوكب آخر. ليس المطلوب من الفنان أن يتحول إلى سياسي أو مناضل، لكن المطلوب، في الحد الأدنى، ألا يفقد إنسانيته عندما تصبح الكلمة ضرورة.
الفن ليس سجادة حمراء ولا صورة مصقولة ولا جائزة على رف. الفن، حين يكون حقيقياً، ذاكرة وموقف وشهادة. وما قيمة الأغاني عن الحرية إذا صمت أصحابها عند امتحان الحرية؟ وما قيمة الشعارات عن الكرامة إذا انهارت أمام أول اختبار للمصالح؟ هنا تسقط الزينة، ويظهر الفارق بين شهرة تبحث عن التصفيق وشخصية تملك شجاعة الموقف.
غزة كشفت كثيراً من الأقنعة. كشفت من يستخدم شهرته للدفاع عن الإنسان، ومن يستخدم الصمت لحماية مكاسبه. فليس كل صمت حياداً، خصوصاً حين يكون وراءه عقد يخشى صاحبه خسارته، أو مهرجان يريد أن يبقى مدعواً إليه، أو شركة لا يريد إغضابها، أو سوق يخشى أن تُغلق أبوابه في وجهه. عندها يصبح الصمت قراراً، ويصبح الهروب موقفاً بحد ذاته.
وغزة لا تحتاج إلى عواطف موسمية تنتهي بانتهاء البث المباشر. تحتاج إلى ذاكرة حية وموقف واضح. كما يحتاج الجمهور العربي إلى إعادة النظر في علاقته بكل من يطلب منه التصفيق والدعم وصناعة النجومية، ثم يختفي عندما يُختبر ضميره. فالجمهور ليس رقماً في نسب المشاهدة ولا محفظة مفتوحة لتمويل النجوم؛ إنه القوة التي تصنع المكانة، ومن حقه أن يقرر لمن يمنح ثقته.
المقاطعة الشعبية الواعية والسلمية ليست كراهية ولا فوضى، بل يمكن أن تكون رسالة واضحة: من يختار أن يكون بعيداً عن وجع الناس، لا يستطيع أن يطالبهم بالبقاء قريبين من نجوميته. ليس المطلوب نصب محاكم للناس أو مطاردة المختلفين، بل تذكير الجميع بأن الشهرة مسؤولية، وأن المنبر الذي صنعته الجماهير لا ينبغي أن يتحول إلى حصن يختبئ خلفه أصحابه عندما تصبح الحقيقة مكلفة.
ستنطفئ الأضواء، وتنتهي العقود، وتتبدل الوجوه، لكن المواقف تبقى. غزة لا تسأل من هو الأكثر شهرة، بل من امتلك شجاعة أن يكون إنساناً عندما كان الصمت أسهل. والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الجمهور العربي: هل يملك القدرة على محاسبة من خذله، لا بالصراخ العابر، بل بالوعي والذاكرة والاختيار؟ لأن أقوى رد على الخذلان ليس ضجيجاً مؤقتاً، بل جمهور يعرف جيداً من يستحق أن يبقى في الضوء، ومن اختار أن يغيب في أحلك لحظة.
