حين نتحدث عن الصراع في الشرق الأوسط، يسارع كثيرون إلى تفسيره بمصطلحات مألوفة: نزاع على أرض، تنافس على موارد، أو خلاف حدودي قابل للتفاوض. لكن هذا التفسير، على واقعيته الظاهرية، يفوّت جوهر ما يجري فعلاً. فالمتأمل في مسار الأحداث خلال العقود الأخيرة يجد أن ما يحكم هذه المنطقة ليس منطق التقاسم، بل منطق الاستئثار.
قاعدة صامتة في السياسة الدولية
هناك قاعدة غير مكتوبة تحكم سلوك القوى الكبرى في أي إقليم: لا يمكن لقوتين متكافئتين أن تتعايشا في نفس المجال الجغرافي دون أن تدخلا، عاجلاً أو آجلاً، في صراع على الهيمنة. هذا ليس افتراضاً أيديولوجياً بقدر ما هو نمط متكرر في التاريخ السياسي؛ فالقوة، بطبيعتها، لا ترتاح لوجود نظير يهددها، حتى لو كان ذلك النظير مسالماً في الظاهر.
إسرائيل، في هذا السياق، لا تتصرف بوصفها دولة تبحث عن أمن أو اعتراف فحسب، بل بوصفها لاعباً يسعى لأن يكون القوة العسكرية الوحيدة التي لا تُضاهى في المنطقة. وهذا يفسر لماذا لا يكفيها التطبيع أو حتى اتفاقيات السلام الرسمية لتضع حداً لقلقها الاستراتيجي؛ فالسلام مع دولة لا يعني بالضرورة قبول تلك الدولة كقوة عسكرية موازية.
من سوريا إلى إيران… وما بعدهما
يمكن قراءة الأحداث الأخيرة في ضوء هذا المنطق. فبعد أن تحوّلت سوريا -التي كانت يوماً الخصم الأقرب جغرافياً والأكثر تسليحاً نسبياً في محيط إسرائيل المباشر- إلى دولة منهكة ومفككة، اتجه الاهتمام الاستراتيجي نحو إيران باعتبارها القوة الإقليمية الأخرى التي تمتلك برنامجاً صاروخياً وتأثيراً عابراً للحدود يهدد ميزان القوة القائم.
والسؤال الذي يطرحه هذا التحليل: هل تتوقف هذه الدائرة عند إيران؟ أم أن المنطق نفسه – إزالة أي قوة عسكرية منافسة قد تنشأ – سيمتد تدريجياً ليشمل تركيا، ثم مصر، وربما لاحقاً الجزائر والسعودية، بحكم أن كلاً منها يملك، أو قد يملك مستقبلاً، مقومات القوة العسكرية أو الاقتصادية التي قد تُنافس التفوق الإسرائيلي؟
هذا ليس تنبؤاً حتمياً بقدر ما هو قراءة لمسار متكرر: كل مرة تبرز فيها قوة إقليمية ذات وزن عسكري حقيقي، يصبح احتواؤها أو إضعافها هدفاً استراتيجياً، بصرف النظر عن طبيعة العلاقة السياسية القائمة معها.
الغاية: منطقة من “الدويلات” لا من “الدول”
وفق هذه القراءة، فإن الهدف النهائي ليس القضاء على دولة بعينها أو خصم بعينه، بل إعادة تشكيل خريطة المنطقة بحيث لا تبقى فيها كيانات قادرة على اتخاذ قرار عسكري أو اقتصادي مستقل. بعبارة أخرى: تحويل الدول القائمة إلى كيانات تابعة، تدور في فلك القوة المهيمنة اقتصادياً وأمنياً، دون أن تملك القدرة على مجابهتها.
وإذا صحّ هذا التصور، فإن الصراع لن ينتهي عند توقيع اتفاقية أو تطبيع علاقة، بل فقط حين تصل المنطقة إلى حالة “التفرد بالقوة” التي يطمح إليها هذا الطرف – حيث يتحول التوازن الإقليمي من تعدد لاعبين إلى هيمنة لاعب واحد لا مثيل له.
خاتمة: قراءة تستحق النقاش
هذا التحليل يقدم زاوية نظر تفسر تسلسل الأحداث بمنطق “الهيمنة الحصرية” بدلاً من التفسيرات التقليدية القائمة على الأمن أو الأيديولوجيا أو الأرض. وهي قراءة قابلة للنقاش والتفنيد، إذ يرى فريق آخر من المحللين أن الدوافع الإسرائيلية أكثر تعقيداً وتتشابك فيها اعتبارات أمنية داخلية، وضغوط الحلفاء الدوليين، وحسابات اقتصادية، بما لا يجعل “إزالة كل قوة منافسة” غاية ثابتة بقدر ما هو رد فعل متغير بحسب الظروف. لكن يبقى السؤال مطروحاً: هل ما نشهده اليوم هو صراع حدود، أم صراع على من يحكم قواعد اللعبة في المنطقة بأكملها؟
وسيم الحرستاني/ عضو الجبهة العربية السورية