​تشكل أطروحة الفيلسوف الكندي ألان دونو حول “نظام التفاهة” واحدة من أهم الصرخات النقدية والفكرية في العصر الحديث، إذ تسلط الضوء على تحول بنيوي خطير ضرب مفاصل المؤسسات السياسية، والاقتصادية، والإدارية المعاصرة. لم يعد هذا النظام طارئاً عابراً، بل أصبح منظومة متكاملة ومحكمة تعيد إنتاج نفسها عبر هندسة ممنهجة تهدف إلى مكافأة العناصر المتوسطة التي لا تشكل أي تهديد أو إزعاج لبنية السلطة القائمة، وفي المقابل، تهمش بوحشية واعية كل أصحاب الكفاءة، والإبداع، والفكر النقدي.
​ آليات اشتغال نظام التفاهة وتجريف الكفاءات
​يقوم “نظام التفاهة” على قاعدة مقلوبة تماماً لمعايير الاستحقاق البشري؛ فبدلاً من أن تكون الكفاءة والمهارة هما معيارا الصعود والتمكين، تصبح الولاءات الضيقة والقدرة على الانصياع الأعمى هي العملة الرائجة. ويعتمد هذا النظام في استمراريته على عدة ركائز أساسية:
​اتباع التعليمات دون تفكير نقدي: ينجح في هذا النسق الإداري والسياسي من يتبرأ من ملكة التساؤل والتمحيص، ليتحول إلى ترس أصم داخل آلة بيروقراطية ضخمة تنفذ الأوامر بحذافيرها.
​تجنب الأسئلة المزعجة: تُعتبر المساءلة الفكرية والجريأة في طرح الأسئلة الجوهرية خطراً وجودياً على هذا النظام، ولذلك يتم استبعاد كل من يحاول نبش المسكوت عنه أو تعريَة الخلل البنيوي.
​إقصاء المبدعين والمفكرين: يدرك النظام بطبيعته الاستبدادية أن العقول النقدية والمبدعة تشكل تحدياً مستمراً لسلطته، لذا يعمد إلى تهميشها وإغلاق الأبواب أمامها، لئلا تفضح هشاشة النسق السائد.
​ ديكتاتورية الشكل والسطحية على حساب الجوهر
​في ظل هيمنة نظام التفاهة، تتحول المؤسسات الحديثة من فضاءات للإنتاج المعرفي والمؤسسي الفعال إلى مسرح كبير للعروض الشكلية. وهنا يبرز طغيان “المظهر” على “الجوهر”، حيث يصبح النجاح الشكلي والاستعراضي هو المعيار الأوحد للتقييم.
​الاحتفاء بالقشور: تُنفق الميزانيات والطاقات على الواجهات البراقة، والتقارير الرنانة الخالية من أي مضمون حقيقي، بينما يُهمل البناء المؤسسي العميق.
​غياب الجودة الحقيقية: عندما تصبح الأولوية للشكل الخارجي والتسويق الاستعراضي، تتراجع الجودة الفعلية للمخرجات، سواء على مستوى السياسات العامة، أو التعليم، أو الإدارة، أو الإنتاج الثقافي.
​تعويم المعايير: يساهم هذا المناخ في سيادة لغة الأرقام المصطنعة والمؤشرات الوهمية التي تخفي خلفها تراجعاً مخيفاً في الكفاءة والإنتاجية.
​ البعد الإمبريالي والاستعماري: هندسة التبعية واستنزاف الموارد
​لا يمكن فهم “نظام التفاهة” بوصفه مجرد خلل إداري أو انحراف مؤسسي محلي فحسب، بل إنه يمثل في جوهره أداة استراتيجية كبرى تستخدمها القوى الإمبريالية والاستعمارية لإحكام السيطرة على الشعوب وتقويض إرادتها المستقلة. فعلى الصعيد الجيوسياسي، يشكل هذا النظام الوسيلة المثلى للهيمنة، إذ تعمد القوى المهيمنة إلى دعم وتنصيب نخب وطبقات إدارية وسياسية واقتصادية متوسّطة العقلية وفارغة الكفاءة، لكونها تمثل الوكيل الأمثل لتنفيذ الأجندات الخارجية دون وعي أو مساءلة.
​تتجلى خطورة هذا التوظيف الاستعماري في عدة جوانب رئيسية:
​ضرب السيادة الوطنية ومقاومة الاستقلال: إن تفريغ المؤسسات من الكفاءات الوطنية المبدعة والمخلصة يحرم الأوطان من العقول التي تستطيع صياغة مشاريع استقلالية حقيقية ومقاومة الضغوط الخارجية، مما يسهل تمرير السياسات التي تخدم مصالح المراكز الاستعمارية الكبرى على حساب مصلحة الشعوب.
​شرعنة نهب الموارد والثروات: عندما تسود الرداءة وتغيب الشفافية والمساءلة النقدية، يصبح نهب الثروات الباطنية، والسيطرة على شرايين الاقتصاد، وتوجيه مقدرات الأوطان أمراً ميسوراً وخالياً من أي مقاومة مؤسسية فاعلة أو وعي وطني حقيقي يعرقل مشاريع النهب المنهجي.
​تحويل الأوطان إلى أسواق استهلاكية تابعة: يضمن نظام التفاهة أن تظل الدول المستهدفة مجرد كيانات استهلاكية لا تنتج معرفة ولا تقنية، بل تكتفي بتلقي ما تفروزه المراكز الرأسمالية العالمية، مما يديم حالة التبعية الأبدية ويمنع أي فرصة حقيقية للنهوض التنموي المستقل.
​ تحول المجتمع إلى كيان استهلاكي وبيروقراطي
​لا يقف خطر نظام التفاهة عند حدود المؤسسات الإدارية والسياسية، بل يتجاوزها ليغزو البنية المجتمعية برمتها. إذ يتحول المجتمع تحت تأثير هذه المنظومة إلى كيان استهلاكي أحادي البعد، تسطح وعيه وتتراجع لديه الأسئلة الكبرى لصالح الاهتمام بالتفاصيل الاستهلاكية اليومية والسطحية البحتة.
​”إن سيطرة البيروقراطية والسطحية تؤدي حتماً إلى تدجين الوعي الجماعي، وتحويل الإنسان من كائن فاعل ومشارك في صناعة مصيره إلى متلقٍ سلبي يستهلك ما يُملى عليه دون إمعان أو تفكير.”

​تتكامل البيروقراطية المقيتة مع هذه النزعة الاستهلاكية لخلق إنسان مطوع، يسهل توجيهه والسيطرة عليه، حيث تُفرغ اللغة من مضامينها الفكرية وتُستبدل بالشعارات المفرغة والمستهلكة التي تخدم في نهايتها قوى الهيمنة والسيطرة الخارجية.
​ ضرورة المواجهة واستعادة العقل النقدي
​إن تفكيك “نظام التفاهة” وفضح أبعاده الوظيفية والاستعمارية لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة حتمية لإنقاذ المؤسسات والمجتمعات من الانهيار الأخلاقي والمعرفي والسياسي. إن استعادة دور الكفاءات الوطنية الحقيقية، وإعلاء شأن الفكر النقدي، وتشجيع طرح الأسئلة الجريئة، هي وحدها الكفيلة بكسر طوق الرداءة المفروض، وتحرير الأوطان من قيود التبعية والاستنزاف، وإعادة الاعتبار للعمق الإنساني والمعرفي في مواجهة مد السطحية والبيروقراطية المتجبرة.

د. نبيلة عفيف غصن