الضفة الغربية: حين تُحاصر القرى ويُستهدف الأقصى… معركة الفلسطيني من أجل البقاء على أرضه
ميشيل شحادة
في الضفة الغربية، لا يحتاج الفلسطيني إلى صفارة إنذار كي يعرف أن الخطر اقترب. قد يبدأ الليل بصوت محركات تقترب، ثم تظهر في العتمة مجموعات من المستوطنين الملثمين والمسلحين، تهبط من التلال نحو البيوت. تُحطم السيارات، وتُكسر النوافذ، وتشتعل الحقول، وتُقتلع أشجار الزيتون، وتُسرق المواشي، فيما يختبئ الأطفال خلف الأبواب وتبقى العائلات معلقة بين الخوف والهرب. وفي حالات موثقة، تصل النار إلى البيوت والمساجد، وتختصر التهديدات المشهد كله في عبارة واحدة:
ارحلوا من هنا.
لا يشعر الفلسطيني أن هناك قوة ستأتي لحمايته. فقد وثقت الأمم المتحدة حالات وقفت فيها قوات الاحتلال متفرجة، أو ساهمت في التنكيل بالفلسطينيين أنفسهم. كما حذر خبراء أمميون خلال عام 2026 من أن عنف المستوطنين بلغ مستويات غير مسبوقة، وربطوا بينه وبين التهجير والاستيلاء على الأرض، في ظل إفلات واسع من العقاب.
هذه ليست حوادث فردية معزولة، ولا مجرد انفلات لمجموعات متطرفة، بل جزء من عملية أوسع يتقدم فيها المستوطن من حدود المستوطنة نحو الأرض والقرية والمرعى والطريق ومصدر الماء، بهدف جعل بقاء الفلسطيني على أرضه صعبا وخطرا إلى درجة دفعه إلى الرحيل. وحتى أواخر آب 2026، سجلت الأمم المتحدة أكثر من ألف إصابة فلسطينية في سياق هجمات المستوطنين منذ بداية العام، إلى جانب مئات الاعتداءات على القرى والبيوت والأراضي وشبكات المياه والكهرباء والمواشي ووسائل العيش.
لكن الأرقام وحدها لا تقول ماذا يعني أن تعيش في قرية تنتظر الهجوم القادم: طفل يخشى أن تضطر عائلته إلى الهرب ليلا، ومزارع يرى أرضه من نافذته ولا يستطيع الوصول إليها لأن بؤرة استيطانية أقيمت فوق التلة المجاورة، وأم تسمع صراخ المستوطنين خارج بيتها بينما يختبئ أطفالها في الداخل. ويتكرر المشهد حتى يتحول الخوف إلى نظام حياة.
في تجمعات مسافر يطا جنوب الخليل، وفي قرى نابلس ورام الله والأغوار ومناطق أخرى، تكررت الهجمات على المنازل والمنشآت الزراعية وخزانات المياه والمواشي، وهربت عائلات قبل إحراق بيوتها بدقائق، فيما تعرضت الأراضي وأشجار الزيتون والسيارات وحتى المساجد للتخريب والإحراق. هذه ليست اعتداءات على الممتلكات فقط، بل على شروط البقاء نفسها. فالبيت والماء والزراعة والمواشي والطريق إلى المدرسة كلها مقومات للحياة. وعندما تُستهدف مجتمعة، يصبح الهدف واضحا:
دفع الفلسطينيين إلى مغادرة وطنهم.
والتطهير العرقي لا يحدث دائما بطرد السكان دفعة واحدة. هناك طريقة أبطأ وأقل ضجيجا: تقام بؤرة استيطانية قرب تجمع فلسطيني، ثم يبدأ الاستيلاء على المراعي وتقييد الوصول إلى المياه والأراضي، وتتصاعد التهديدات والاعتداءات، وتُخرب مصادر المياه أو تُسرق الأغنام، حتى تصبح الحياة نفسها شبه مستحيلة. عندها ترحل الأسرة، ثم تمتد البؤرة الاستيطانية إلى الأرض التي تركتها. لذلك فإن وصف هذا الرحيل بأنه “هجرة طوعية” ليس دقيقا؛ فالإنسان الذي يغادر لأن بقاء أطفاله أصبح خطرا، ولأن الوصول إلى أرضه ومائه ومصدر رزقه أصبح شبه مستحيل، لا يرحل بإرادته الحرة.
وربما لا يوجد ما يلخص هذه المعركة مثل شجرة الزيتون. قد تكون أقدم من دولة “إسرائيل” نفسها؛ زرعها الجد، واعتنى بها الأب، وانتظر الابن موسمها، ثم يأتي مستوطن فيقتلع خلال دقائق ما احتاج إلى عقود لينمو. فتدمير الزيتونة ليس تخريبا زراعيا فقط، بل ضربة للاقتصاد والذاكرة والملكية وعلاقة الإنسان بأرضه.
غير أن هذه الاعتداءات لا تتكرر بهذا الاتساع لولا بيئة من الحماية والإفلات من العقاب. فعندما يتيقن المعتدي أن احتمال محاسبته ضئيل، يصبح تكرار العنف أسهل. وإذا كانت الضحية قد تُمنع لاحقا من الوصول إلى أرضها، يتحول الاعتداء من جريمة فردية إلى أداة للاستيلاء على المكان. لذلك لا يمكن فصل ما يحدث في القرى عن المشروع الاستيطاني الأوسع: توسيع المستوطنات والبؤر، والسيطرة على التلال والطرق والمراعي، وتفتيت التجمعات الفلسطينية، ودفع الفلسطيني بعيدا عن المناطق المراد إخضاعها للسيطرة الاستيطانية.
لكن هناك مكانا واحدا يمكن أن يؤدي العبث به إلى انفجار يتجاوز حدود فلسطين كلها:
المسجد الأقصى.
فالأقصى ليس حجرا فقط، بل عقيدة وذاكرة وهوية وتاريخ، وأحد أقدس الأماكن لدى أكثر من ملياري مسلم. وما يجري فيه ليس خلافا محليا حول الدخول أو الصلاة، بل مساس تدريجي بوضع تاريخي وديني شديد الحساسية.
يتعرض “الوضع التاريخي القائم” في الحرم لتآكل متواصل، وما كان يعد خرقا استثنائيا يجري تطبيعه خطوة بعد خطوة. ووزير الأمن القومي “الإسرائيلي” إيتمار بن غفير لم يعد يخفي موقفه؛ فقد أعلن تأييده لصلاة اليهود في الحرم، وتكررت اقتحاماته لباحات الأقصى وأداؤه الطقوس فيها.

وفي 31 آب 2026 دخل الحرم مجددا برفقة حاخامات ومستوطنين وتحت حماية أمنية، وتحدث علنا عن ضرورة وجود “هيكل”، بلغة ترتبط بخطاب جماعات دينية وقومية تدعو إلى تغيير جوهري في وضع الحرم القدسي.
ليس ضروريا أن يقول بن غفير حرفيا: “سأهدم المسجد الأقصى” حتى ندرك حجم الخطر. فعندما يتحدث وزير “إسرائيلي” من داخل الحرم عن “الهيكل”، بينما تتوسع الصلاة والطقوس اليهودية وتتكرر اقتحامات الجماعات الدينية القومية، يصبح السؤال مشروعا:
إلى أين يقود هذا المسار، وما الذي قد يعنيه لمستقبل المسجد الأقصى وقبة الصخرة؟ فالخطر لا يبدأ عندما تصل الجرافة؛ قد يبدأ بزيارة، ثم صلاة فردية، ثم جماعية، ثم طقوس، ثم مطالبة بتكريسها كـ “حق”، ثم تقسيم زماني أو مكاني، حتى يصبح ما كان مرفوضا بالأمس واقعا يُطلب من الفلسطينيين والعرب والمسلمين التعايش معه.
ولهذا فالأقصى المبارك ليس منفصلا عن معركة الضفة، بل هو قلبها الرمزي: ما يحدث في القرية صراع على الأرض، وما يحدث في الأقصى صراع على هوية الأرض ومعناها وتاريخها ومستقبلها.
وأمام ذلك كله، لم يعد كافيا أن نقول إننا “متضامنون مع فلسطين”. فالتضامن الذي لا يتحول إلى حماية للأرض والناس يبقى موقفا ناقصا. لا يكفي أن نستنكر بعد إحراق بيت، أو نأسف بعد اقتلاع بستان، أو نصدر بيانا بعد تهجير عائلة. المطلوب أن نعمل قبل وقوع الاعتداء، وأن نحول المؤازرة من رد فعل إلى قدرة دائمة على الصمود والحماية.
تبدأ هذه الحماية بشبكات إنذار واتصال سريع بين القرى، وتشكيل فرق محلية وتدريبها على الإسعاف الأولي والعمل الميداني، والتوثيق، ومواجهة الحرائق، والتعامل مع حالات الطوارئ، إلى جانب توفير الكاميرات والإنارة ومعدات الحماية والإنقاذ. كما تشمل مرافقة المزارعين والرعاة إلى أراضيهم، وتأمين طرق الأطفال إلى المدارس، وإنشاء فرق استجابة سريعة لإصلاح ما يُدمر من خزانات المياه وشبكات الكهرباء والمنازل، وإنشاء صناديق طوارئ للعائلات المتضررة، ودعم المحامين والصحفيين وفرق التوثيق، وتكثيف الحضور المدني الفلسطيني والدولي في القرى الأكثر عرضة للهجمات.
لكن الحماية الحقيقية لا تبدأ عند لحظة الهجوم ولا تنتهي بعدها. إنها تعني أيضاً تثبيت الناس في أرضهم ومنع تحويل الحصار إلى وسيلة للتهجير. ولهذا يجب دعم المزارعين وتسويق منتجاتهم، واستصلاح الأراضي وزراعتها، وتوسيع “بساتين النصر” ومشاريع الاقتصاد المقاوم، وتأمين المياه والطاقة والمدارس والعيادات. فكل شجرة تُزرع، وكل أرض تُفلح، وكل بيت يُرمم، وكل مشروع صغير يبقى قائما، هو فعل مقاومة مدنية في وجه الاقتلاع.
وعلى المستوى الدولي، لم يعد مقبولا الاكتفاء بلغة القلق والإدانة. المطلوب ملاحقة المسؤولين عن الاعتداءات، وفرض عقوبات على المستوطنين والجهات التي تمول عنفهم أو تحرض عليه، ووقف التعامل مع المستوطنات غير القانونية، ودعم بعثات المراقبة والحماية المدنية، واستخدام الأدوات السياسية والقانونية والاقتصادية لمنع التهجير والاستيلاء على الأرض، وحماية المسجد الأقصى من أي تغيير أحادي في وضعه التاريخي.
ما يجري في الضفة الغربية اليوم ليس مجرد “توتر أمني”، بل صراع حول سؤال واضح:
من سيبقى على هذه الأرض؟
المستوطنات تتمدد، والبؤر تتكاثر، والأرض تُغلق، والماء يُستولى عليه، والشجر يُقتلع، والبيوت تُحرق، والرعاة يُطردون من المراعي، والأقصى نفسه يواجه محاولة متدرجة لتغيير قواعد ظلت طويلا خطوطا حمراء.
لهذا فإن الضفة لا تحتاج إلى أن نبكي من أجلها، بل أن نقف معها بالفعل. مؤازرة الفلسطيني تعني أن نساعده على أن يبقى قبل أن يُهجّر، وأن نحمي زيتونته قبل أن تُقتلع، وأن نسند قريته قبل أن تُحاصر، وأن نرفع كلفة الاعتداء سياسيا وقانونيا واقتصاديا قبل أن يتحول إلى واقع دائم.
المعركة اليوم ليست فقط على مستقبل دولة فلسطينية محتملة، بل على وجود الفلسطيني نفسه فوق أرض فلسطين. وعندما تصل المعركة إلى هذه النقطة، يصبح الصمت موقفا، ويصبح الاكتفاء بالتعاطف عجزا.
لهذا يجب أن تتحول مؤازرة الضفة من عاطفة إلى مشروع عمل، ومن بيان إلى حماية، ومن تضامن موسمي إلى التزام دائم؛ قبل أن ننظر إلى الخريطة ذات يوم فنكتشف أن العالم ظل يناقش مصير فلسطين، بينما كانت فلسطين نفسها تُنتزع، قرية بعد قرية، وتلة بعد تلة، من تحت أقدام أهلها.
المصدر: الرأي اليوم