سيادة الأمة في زمن الاختلال العالمي: قراءة قومية اجتماعية في قمة آشفيل وصراع المحاور
بقلم: د. نبيلة عفيف غصن
كاتبة وباحثة مهتمة بقضايا الجغرافيا السياسية والتحولات الإقليمية في الشرق الأوسط.
لم يكن اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مجرد نقاش تقني حول الفوائض التجارية و«الاختلالات الاقتصادية الكلية». فالخلافات التي برزت حول السياسات الصناعية، والدعم الحكومي، وسلاسل الإمداد العالمية، كشفت عن صراع أعمق على الأسواق والإنتاج ومراكز النفوذ الاقتصادي، في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في موازين القوة الدولية.
وخلف لغة السياسات المالية والمصطلحات الاقتصادية، يدور صراع أوسع حول من يملك القدرة على صياغة قواعد الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة. فالقوى الغربية التقليدية تسعى إلى الدفاع عن نظام اقتصادي تشكل خلال عقود من تفوقها، فيما يعمل المنافسون الصاعدون على تحدي نفوذها والقواعد التي بدت، في مرحلة سابقة، وكأنها حقائق مستقرة لا تقبل التغيير.
لذلك، فإن التوترات التي ظهرت في آشفيل تتجاوز حدود الخلاف حول السياسات الاقتصادية المباشرة، لتشير إلى مرحلة من التحول البنيوي العميق، أصبحت فيها التجارة والإنتاج والمال والتكنولوجيا أدوات مركزية في صراع دولي متصاعد بين القوى الكبرى، وفي إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل النظام العالمي.
.
الهيمنة الغربية وازدواجية المعايير
تتحرك الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، في جانب كبير من سياساتهم الاقتصادية، انطلاقاً من الرغبة في الحفاظ على مواقع تفوق تاريخية تشكلت في ظل نظام دولي أتاح لهم التحكم بالأسواق والمؤسسات المالية والتجارة العالمية. لكن المفارقة تكمن في أن القوى التي ترفع شعارات «حرية السوق» و«المنافسة العادلة» ورفض الدعم الحكومي، لا تتردد في التخلي عن هذه المبادئ عندما تصبح صناعاتها ومصالحها الاقتصادية تحت ضغط المنافسة.
فـ«السوق الحر» يتحول سريعاً إلى منظومة من القيود والتعريفات والحواجز حين تواجه الصناعات الغربية منافسة حقيقية، فيما تصبح العقوبات الاقتصادية والحصار المالي أدوات جاهزة لمعاقبة الدول التي تسلك مسارات اقتصادية أو سياسية تتعارض مع مصالح المراكز الكبرى.
وهنا تظهر إحدى أبرز تناقضات النظام الاقتصادي الدولي المعاصر: حرية التجارة مطلوبة ما دامت الأسواق مفتوحة أمام منتجات القوى المهيمنة، أما حين تتحول المنافسة إلى تهديد فعلي، فإن الحمائية تعود تحت عناوين جديدة، مثل «الأمن الاقتصادي» و«حماية الصناعات الاستراتيجية» و«الأمن القومي».
وهكذا يتضح أن الاقتصاد العالمي لم يكن، في أي مرحلة، فضاءً محايداً تتحرك فيه الأمم على قدم المساواة، بل ساحة تتداخل فيها التجارة بالقوة السياسية والعسكرية والتكنولوجية.
الاقتصاد المنتج أساس الاستقلال
من هنا تبرز أهمية الاقتصاد المنتج في أي مشروع قومي يريد حماية مصالح مجتمعه. فالأمة التي تعجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية، وتفقد قدرتها على تطوير صناعتها واستثمار مواردها وتحويلها إلى قوة إنتاجية، تبقى عرضة للضغوط الخارجية مهما امتلكت من رموز الاستقلال السياسي.
فالقوة الاقتصادية لا تُختزل في حجم الناتج المحلي أو حركة رؤوس الأموال، بل تبدأ من المصنع والحقل والميناء والمختبر، ومن قدرة المجتمع على تحويل موارده ومعرفته وعمله إلى إنتاج فعلي.
إن تحويل الأمم إلى مجرد أسواق استهلاكية مفتوحة أمام السلع ورؤوس الأموال العابرة للحدود يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تقليص قدرتها على اتخاذ خياراتها الاقتصادية بحرية. فالاقتصاد القائم على الاستيراد الدائم والاستهلاك المفرط والارتهان للعملات والأسواق الخارجية يبقى اقتصاداً هشاً أمام التحولات الدولية.
لكن مواجهة هذه الاختلالات لا تعني الانسحاب من العالم أو رفض التبادل الاقتصادي، بل بناء علاقة أكثر توازناً معه، تقوم على حماية الإنتاج المحلي، ومنع إغراق الأسواق، وتطوير القدرات العلمية والصناعية.
فالانخراط الأعمى في سلاسل التوريد العالمية التي تتحكم بمفاصلها الشركات والاحتكارات العابرة للقوميات لا يصنع قوة اقتصادية مستقلة. أما الاقتصاد المنتج، المنفتح على التعاون المتبادل، فيمنح المجتمع قدرة أكبر على الدفاع عن مصالحه والتكيف مع التحولات الدولية.
الصين وصراع الفوائض والأسواق
إن التباين الحاد الذي برز في آشفيل، ولا سيما في ما يتعلق بالموقف من السياسات الاقتصادية الصينية، يعكس طبيعة الصراع القائم بين القوى الكبرى. فالصين تسعى إلى حماية نموذج اقتصادي يستند بدرجة كبيرة إلى قوة الإنتاج والتصدير، بينما تحاول الولايات المتحدة والدول الغربية الحد من التدفقات التي تراها تهديداً لصناعاتها وأسواقها.
لكن القضية تتجاوز الصين نفسها لتطرح سؤالاً أعمق: من يملك حق تحديد قواعد الاقتصاد العالمي؟
فكل قوة كبرى تدافع عن «القواعد» التي تنسجم مع موقعها ومصالحها، وحين تتغير موازين القوة يبدأ الصراع على إعادة تعريف تلك القواعد.
ومن الخطأ، في هذا السياق، الاعتقاد بأن الانتقال من هيمنة قطب واحد إلى عالم متعدد الأقطاب يعني تلقائياً تحرر الشعوب والأمم. فتعدد المراكز الدولية قد يفتح هوامش أوسع للحركة والمناورة، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى انتقال التبعية من مركز إلى آخر إذا بقيت المجتمعات ضعيفة إنتاجياً ومنقسمة داخلياً وعاجزة عن بناء عناصر قوتها.
لذلك، لا تكمن المصلحة في استبدال محور اقتصادي بمحور آخر، ولا في الارتهان للغرب باسم الحداثة أو للشرق باسم التعددية، بل في بناء قاعدة ذاتية تسمح بالتعامل مع مختلف القوى وفق المصالح المشتركة والندية، لا وفق الحاجة الدائمة والارتهان.
الأمة ليست سوقاً لتصريف أزمات الآخرين
في عالم يعاني فائضاً في الإنتاج في مناطق وعجزاً في الطلب في مناطق أخرى، تتحول الأسواق الوطنية إلى أهداف دائمة لمحاولات تصريف الأزمات الاقتصادية الخارجية. فعندما تتراكم المنتجات ويتراجع الطلب في اقتصاد ما، تبدأ الشركات والدول بالبحث عن أسواق جديدة تستوعب فائضها.
ومن هنا تصبح حماية الصناعة الوطنية والعمل المنتج قضية استراتيجية طويلة الأمد، لا مجرد إجراء اقتصادي مؤقت.
إن فتح الأسواق بلا ضوابط أمام منافسة غير متكافئة قد يؤدي إلى إضعاف القطاعات المحلية، وتقليص فرص العمل، وتحويل المجتمع تدريجياً إلى مستهلك دائم لما ينتجه الآخرون. لذلك، فإن حماية الاقتصاد الوطني لا تعني الانغلاق، بل تعني امتلاك القدرة على تنظيم السوق بما يتناسب مع حاجات المجتمع وأولوياته التنموية.
فالأمة ليست مستودعاً لفائض إنتاج الآخرين، ولا ساحة مفتوحة لتجارب المؤسسات المالية الدولية أو سياسات الاحتكارات الكبرى. إن تطوير الصناعة، وحماية العمل، وإدارة الموارد بصورة عقلانية، ووضع سياسات اقتصادية تنطلق من الواقع الاجتماعي، هي شروط أساسية لبناء اقتصاد أكثر توازناً ومناعة.
عالم يعاد تشكيله
تكشف قمة آشفيل أن النظام المالي والاقتصادي العالمي يدخل مرحلة جديدة من التوتر وإعادة التشكل. فالعولمة التي قُدمت طويلاً بوصفها طريقاً حتمياً إلى الازدهار والسلام بدأت تكشف تناقضاتها العميقة: اتساع الفجوة بين المنتج والمستهلك، وتضخم نفوذ الاحتكارات، وتراجع قدرة الاقتصادات الضعيفة على التحكم بمساراتها، وتحول التجارة والمال والتكنولوجيا إلى أدوات مباشرة في الصراع الجيوسياسي.
ومن هنا، لا يمكن الرهان المطلق على واشنطن أو بكين أو أي مركز دولي آخر. فالقوى الكبرى تتحرك، في المقام الأول، وفق مصالحها، ولا تبني سياساتها الخارجية على حماية مصالح الأمم الأضعف.
إن بناء القوة الاقتصادية يبدأ بالإنتاج والعلم وحماية الموارد وإعادة الاعتبار إلى العمل، وبإقامة اقتصاد يخدم المجتمع قبل أن يخدم المضاربات والأسواق المالية. فالحرية السياسية التي لا تستند إلى قاعدة اقتصادية منتجة تبقى محدودة، كما أن الاستقلال الوطني الذي لا ينعكس على حياة الناس، وعلى كرامة العامل، وعلى الأمن الغذائي والصناعي ومستقبل الأجيال، يبقى معرضاً للاهتزاز عند أول أزمة كبرى.
ولهذا، فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من الصراعات التي ظهرت في آشفيل هو أن العالم يدخل مرحلة تتكسر فيها المسلمات الاقتصادية القديمة وتُعاد فيها صياغة موازين القوة. وفي مثل هذه المراحل، لا تستطيع الأمم حماية مصالحها بالاكتفاء بالمراقبة أو انتظار نتائج الصراع بين الآخرين.
فالخيار الحقيقي يكمن بين أن تتحول الأمة إلى قوة منتجة تمتلك قاعدة اقتصادية وقدرة على تحديد أولوياتها، أو أن تبقى سوقاً مفتوحة تتنازع عليها المحاور الكبرى.
وفي نهاية المطاف، ليست قوة الأمة في الشعارات التي ترفعها، بل في قدرتها العملية على حماية الإنسان والأرض والإنتاج والموارد، وعلى الدخول إلى العالم من موقع الشريك الذي يعرف مصالحه ويملك أدوات الدفاع عنها، لا من موقع التابع الذي يتحرك وفق خرائط الآخرين.
المصدر: صحيفة عربية -بروفايل نيوز
Profile News.
04 سبتمبر 2026
