تتجسد في المشهد الأوروبي الراهن واحدة من أقسى السقطات الاستراتيجية والتاريخية في العصر الحديث. فقارة العجائز التي طالما تغنت بحداثتها الاقتصادية، وعقلانيتها المؤسسية، واستقرارها المجتمعي، تقاد اليوم بخطى عمياء نحو الهاوية بفعل سياسات انتحارية فرضتها طبقة سياسية منفصلة كلياً عن نبض الواقع ومصالح شعوبها. وما يقدمه العالم والاقتصادي البارز جيفري ساكس ليس مجرد تشخيص عابر لأزمة اقتصادية طارئة، بل هو إعلان جرس إنذار أخير بخصوص انهيار هيكلي متكامل للنموذج الأوروبي برمته، جراء ارتهانه المطلق للرؤية الأمريكية المأزومة واستسلامه المطلق لخيارات العسكرة والصدام.
1. الاقتصاد الأوروبي: من نعيم التكامل إلى جحيم التراجع الهيكلي
إن الحديث عن كون الاقتصاد الأوروبي يعاني مجرد “ركود” تقليدي هو تجميل قبيح لحقيقة المأساة؛ فالقارة تمر بحالة “تراجع بنيوي” عميق لا رجعة فيه إلا بتغيير جذري في المسار. لقد ارتكبت بروكسل و capitals الغربية الخطيئة الكبرى حين قطعت عمداً وسيكولوجياً صلتها بالتجارة الطبيعية ومصادر الطاقة الرخيصة والمستدامة مع روسيا—تلك الروابط الجغرافية والاقتصادية التي شكلت لعقود ركيزة الأساس للتنافسية الصناعية الأوروبية.
وبدلاً من الإقرار بالواقع، وجدت أوروبا نفسها محاصرة بين فكي رحى: أزمة طاقة خانقة واستنزاف مفتوح لحروب بالوكالة، وفقدان تام للقدرة التنافسية أمام المارد الصيني المتصاعد الذي اكتسح الأسواق العالمية بكفاءة تكنولوجية واقتصادية لا تقاوم، تماماً كما تتخبط الولايات المتحدة في مستنقع تراجعها الصناعي والتجاري. إن كلفة هذا العناد السياسي والتبعية العمياء باهظة بكل المعايير؛ فهي تُدفع من لحم الاقتصاد الأوروبي الحي، وتتجسد يومياً في تآكل الطبقة الوسطى، وارتفاع معدلات التضخم، وانهيار مقومات الرفاه الاجتماعي التي طالما تباهت بها أوروبا.
2. عسكرة الوهم وتغييب الإرادة الشعبية
في محاولة بائسة للتغطية على الفشل الاقتصادي وتبرير التبعية، تدفع النخبة الحاكمة في أوروبا نحو مسار هستيري من العسكرة تحت شعار مفبرك ومستهلك يسمى “العدوان الروسي على أوروبا”. إن هذا التوجه العسكري لا يمثل إرادة الرأي العام الأوروبي الحقيقي، الذي يرفض الانزلاق نحو آتون حرب مدمرة لا ناقة له فيها ولا جمل.
إن هذه العسكرة الممنهجة لن تؤدي في نهايتها إلا إلى الويلات والندم. فالشعوب الأوروبية تبحث بطبيعتها عن السلام والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لا عن سباق تسلح محموم وتحويل القارة إلى قاعدة متقدمة للمواجهات الاستراتيجية العابرة للمحيطات. ومع ذلك، تُفرض هذه التوجهات قسراً متجاوزة الأصوات العاقلة والمطالب الشعبية، مما يكرس شرخاً هائلاً بين الشارع الأوروبي وبين أروقة القرار في بروكسل وعواصم القرار الأطلسي.
3. خارطة طريق الإنقاذ: العقلانية السياسية والتحرر من أوهام الهيمنة
إن أي تقييم موضوعي ومجرد من التزييف الأيديولوجي يفرض رؤية واضحة لا لبس فيها للخروج من هذا النفق المظلم، ترتكز على بوابات حتمية لا بديل لها:
وقف الحرب فوراً: إن استمرار النزيف في أوكرانيا هو جريمة بحق مستقبل القارة بأكملها.
الحياد الأوكراني: إقرار حياد الدولة الأوكرانية وقطع الطريق أمام تحويلها إلى خنجر في خاصرة الأمن الإقليمي والدولي.
كبح التوسع الأطلسي: إعلان حلف الناتو صراحة تخليه التام عن سياسات التمدد الاستفزازية التي أشعلت الفتيل الأساسي للأزمة.
الواقعية الإقليمية: إبرام تسويات للنزاعات الإقليمية والحدودية بأي صيغة براغماتية تحفظ الاستقرار وتمنع الانزلاق نحو كارثة كبرى.
ولا يقتصر هذا المنطق العقلاني على الساحة الأوروبية وحدها، بل ينسحب بالضرورة على الخاصرة الشرق أوسطية؛ إذ يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية كفُّ يدها والعودة أدراجها من مغامراتها الكارثية المشؤومة في التعامل مع إيران ومستنقعات الشرق الأوسط، تلك المغامرات التي لم تنتج سوى الدمار واستنزاف الموارد وتهديد السلم العالمي.
4. كشف عري النخبة: معركة الوعي وسقوط الأصنام
إن تجاوز هذا المأزق التاريخي لا يتحقق بمجرد تعديل في السياسات، بل يقتضي مواجهة كشف جذرية تشمل فضح الخواء والغباء والانتهازية الصارخة التي طبعت أداء هذه الطبقة السياسية الحاكمة لعقود طويلة. هؤلاء الساسة، الذين ارتبطت مصيرهم بشبكات نفوذ ومصالح ضيقة، يستميتون في إخفاء حقيقة فشلهم، مدركين تماماً أن أي تقييم موضوعي وعقلاني لمساراتهم سيكشف عري أخلاقهم السياسية وانهيار أطروحاتهم أمام شعوبهم.
إن تحرير أوروبا والعالم من هذه الوصاية المدمرة يبدأ أولاً بكسر أصنام التضليل الإعلامي والسياسي، واستعادة الوعي بأولوية المصالح الوطنية الحقيقية على حساب أجندات الهيمنة والانتحار الجماعي. فإما أن تستيقظ الشعوب والنخب الحية لتفرض سيادة العقل والسلام، وإما أن تكتمل فصول مأساة انقراض الدور الحضاري والاقتصادي للقارة العجوز.
د. نبيلة عفيف غصن
