موسى الصدر… دولة تقاتل وشعب يقاوم

ناصر قنديل

في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، تُستعاد سيرة رجل لم يفصل يوماً بين بناء الدولة وواجب المقاومة، ولم يرَ تناقضاً بين جيش قويّ وشعب مستعدّ للدفاع عن أرضه. فقد كان مشروعه واضحاً: الدولة هي الأصل، لكن الدولة التي أرادها ليست اسماً أو سلطة تتفرّج على احتلال أرضها، بل دولة عادلة وقادرة تقاتل دفاعاً عن حدودها، وتجهّز جيشها، وتحمي مواطنيها، وتنمّي الأطراف المحرومة. فإذا تخاذلت هذه الدولة، لم يسقط واجب الشعب في حمل السلاح ومقاومة الاعتداء.

منذ رسالته إلى النواب عام 1969، ربط الإمام مصير لبنان بمصير الجنوب، وقال إن «لبنان دون منطقة الجنوب أسطورة، وإن لبنان مع جنوب ضعيف ومستباح جسم مشلول». لم يعتبر الجنوب قضية طائفة أو مناطقية، بل محكاً لسيادة لبنان وكرامته. وفي عام 1970 طالب بتسليح الجيش وإقرار التجنيد الإجباريّ، ورفض النظرية التي تقول إن قوة لبنان في ضعفه. ودعا إلى تدريب المواطنين وتسليحهم وبناء الملاجئ وتحصين القرى، لأن حماية الجنوب ليست مسؤولية أهله وحدهم، بل مسؤوليّة الدولة وكل اللبنانيين.

وفي عاشوراء عام 1974، وقف في بلدة ياطر الحدودية معلناً: «نحن حفظة لبنان»، ومؤكداً استعداده لأن يحمل البندقية ويقف مع أبناء الجنوب على الحدود. ثم جاء خطابه في الكلية العاملية في 20 كانون الثاني 1975 ليضع المعادلة كاملة: «الدفاع عن الوطن ليس واجب السلطة وحدها، وإذا تخاذلت السلطة فهذا لا يلغي واجب الشعب في الدفاع». وقال للحكومة إن عليها أن تعلن موقفها: إما أن تدافع أو لا تدافع، وإن المسؤول الذي لا يعمل على حفظ لبنان فليجلس في بيته.

لم يبقَ كلام الإمام شعاراً. فقد بدأ إعداد مجموعات مقاومة لبنانية وتدريبها لمواجهة “إسرائيل”. وبعد انفجار معسكر عين البنية في 5 تموز 1975، وسقوط عدد من الشبان أثناء التدريب، أعلن في اليوم التالي ولادة «أفواج المقاومة اللبنانية ـ أمل»، وقدّم شهداء المعسكر بوصفهم طلائع لبّوا نداء الوطن الجريح. هكذا تأسست المقاومة عنده رداً على عجز الدولة، لا مشروعاً لإلغائها، وسلاحاً موجهاً إلى “إسرائيل”، لا إلى اللبنانيين.

ولم تكن دعوته إلى الدولة تبريراً لاحتكار عاجز للقوة، بل تكليفاً للسلطة بأن تؤدي وظيفة الدفاع. كما لم تكن دعوته إلى المقاومة تفويضاً دائماً للفوضى المسلحة، بل تحديداً لحق وواجب ينشآن أمام الاحتلال وعندما تغيب الحماية الرسمية. فالجيش والمقاومة في منطقه يلتقيان عند حدود الوطن، بينما يفقد السلاح مشروعيته عندما يتجه إلى الداخل. ومن هنا جمع مشروعه بين تحرير الأرض وتحرير المواطن من الحرمان، وبين قوة الدولة وعدالتها، لأن دولة تميّز بين مناطقها لا تستطيع مطالبة أبنائها بالثقة بها، ودولة لا تدافع عن حدودها تتحوّل شرعيتها إلى نص بلا مضمون.

ولهذا كان الإمام، في الوقت نفسه، من أشدّ المدافعين عن الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. ففي 27 حزيران 1975 اعتصم في مسجد الصفا وأضرب عن الطعام لوقف الحرب الأهلية، داعياً المواطنين إلى الامتناع عن استخدام السلاح ضد إخوتهم، ومحذراً من أن السلاح في الداخل يزيد تمزيق الوطن. رفض دويلات الطوائف ومؤسساتها البديلة من الدولة، وتمسك بدولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، وصولاً إلى إعلانه عام 1977 أن «لبنان وطن نهائيّ لجميع أبنائه».

في ذكرى التغييب، قال رئيس الجمهورية جوزاف عون إن الإمام رفض أن يبقى الجنوب «منطقة منسية» أو ورقة تفاوض، ونسب إليه أن «السلاح الذي يحمي الأرض هو سلاح الدولة الشرعيّ وحدها». وأضاف أن الدولة تعمل لتحقيق ما أراده الإمام، وقال رئيس الحكومة نواف سلام إن الإمام حمل قضية الجنوب من عاصمة إلى أخرى، محذراً من بقائه ساحة لصراعات تتجاوزه، ومستعيداً قوله: «وجنوب لبنان وحده دفع الثمن».

لكن استعادة الإمام لا تجيز اقتطاع نصف قوله وحذف نصفه الآخر، كما لا تصحّ الشهادة بالوقوف عند «لا إله» وإسقاط «إلا الله». قال الإمام إنّ على الدولة حماية الجنوب، لكنه قال أيضاً إن تخاذل السلطة لا يسقط واجب الشعب في الدفاع، وترجم قوله بتأسيس المقاومة. وعندما رفض تحويل الجنوب إلى ورقة تفاوض، كان طريقه واضحاً: إما دولة تقاتل، وإما شعب ومقاومة يحملان السلاح. لذلك فإن نسبة القول إليه بأن سلاح الدولة وحده يحمي الأرض ليست قراءة ناقصة فحسب، بل تحريف لمعادلة صاغها بالقول والفعل. كان الأجدر بالرئيسين عون وسلام، وقد اتخذا خيارات لا تشبه فكر الإمام بشيء، أن يبتعدا عن محاولة تجيير كلمات منتقاة ومجتزأة من كلام الإمام لتبرير ما يفعلان، كان الأجدر بهما أن يكتفيا بالتضامن والمطالبة بكشف مصيره، بدلاً من استخدام اسمه للتسويق السياسيّ لموقف يناقض تاريخه ويجرح ذاكرة محبيه وأهل الجنوب.

  

عدد اليوم