تخوض الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين مرحلة سياسية هي الأكثر تعقيداً في تاريخهما الحديث، حيث تجدان نفسهما أمام هامش خيارات ضيق للغاية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. هذا المشهد يفرض على الجبهتين حالة من الحذر الشديد والترقب المقلق، إذ إن تداعيات اتخاذ أي قرار مصيري في الوقت الراهن—سواء بالذهاب نحو المشاركة أو إعلان المقاطعة الشاملة—ستلقي بظلالها على مستقبل العمل الحزبي والوطني في ظل الظروف السياسية الحرجة التي تعصف بالقضية الفلسطينية.

إن التدقيق في تفاصيل العملية الانتخابية يكشف عن إشكاليات بنيوية تضع الجبهتين أمام معضلة عقائدية وسياسية كبرى وخاصة أمام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطبن؛ فالقبول بالانخراط في هذه الانتخابات وفق الصيغ المطروحة والمراسيم الصادرة يعني التسليم المسبق بعملية “هندسة انتخابية” ممنهجة تم تصميمها لخدمة وتكريس نفوذ التيار السائد. ناهيك عن أن هذه القوانين والمراسيم تحتم الاعتراف بأوسلو بطريقة أو بأخرى، من خلال اشتراط الالتزام المسبق بالتعهدات والاتفاقيات الدولية لمنظمة التحرير الفلسطينية، مما يفرض قيوداً سياسية مسبقة تحيد أي برنامج كفاحي حقيقي.

علاوة على ذلك، فإن الخطورة الأكبر للقبول بهذه الشروط تكمن في شرعنة فصل المسار الانتخابي الإجرائي عن القضية الوطنية الأم والتحديات الوجودية للشعب الفلسطيني. إن حصر النضال في صناديق الاقتراع ومقاعد المجلس التشريعي تحت سقف هذه الالتزامات يعبر عن عملية اختزال سياسي، يفصل الانتخابات عن حرب البقاء ومواجهة المشروع الاستيطاني، ويحول الأدوات الديمقراطية إلى آليات لإعادة إنتاج وإدارة شؤون الحكم تحت المظلة السياسية والاتفاقيات الدولية القائمة التي طالما عارضتها الجبهتان.

وفي ظل هذه المعطيات الراهنة، يبدو خيار خوض المعركة الانتخابية بشكل منفرد من قِبل أي من الجبهتين بمثابة خطوة انتحارية على الصعيدين السياسي والمعنوي. فالتشرذم وغياب جبهة وطنية وازنة لن يؤدي إلا إلى تشتيت الأصوات وإضعاف الحضور الجماهيري لليسار الغير راضخ لأوسلو، مما يفقده وزنه التاريخي ويظهره عاجزاً عن تشكيل قطب ثالث قادر على مواجهة حالة القطبية الثنائية ومنع تفرد الطغمة الأوسلوية الأولغارشية ، بل ويحوّل اليسار إلى مجرد شريك هامشي في نظام سياسي مقيد.

تأسيساً على ذلك، تتجلى وجاهة رؤية الجبهة الشعبية في التقاطها الدقيق لمخاطر الذهاب إلى صناديق الاقتراع دون توافق وطني شامل، ودون صياغة «عقد اجتماعي وسياسي» مسبق يحدد بوضوح دور الانتخابات كأداة للتصدي للمخاطر الوجودية التي تهدد الأرض والقضية، وهو عبء تاريخي أكثر جسامة من أن يحمله فصيل بمفرده. هذا الموقف يتقاطع تماماً مع ما أكده نائب الأمين العام للجبهة الشعبية جميل مزهر في اجتماع الفصائل الذي عُقد بتركيا حين شدد على أن “الانتخابات ليست مسألة إجرائية منفصلة، بل يجب النظر إلى الظروف التي ستجري فيها ووظيفتها السياسية، وما إذا كانت ستقود فعلاً إلى تجديد الشرعيات وإعادة بناء المؤسسات”، مما يفرض بالضرورة الخروج من دائرة الحسابات الحزبية الضيقة وتوسيع الشراكة والنقاش الجمعي لإنقاذ المشروع التحرري ككل قبل الخوض بالانتخابات التي إن حصلت يجب أن تكون تحت مضلة وطنية حقيقية وليست تحت مضلة الإملاءات والحسابات الخارجية.

أبو الأمير_ القدس